لا أحد يريد الاعتراف بالهزيمة

06 مارس 2021
الصورة

(سمعان خوام)

+ الخط -

نحن في بداية شهر مارس/ آذار، شهر الثورة السورية التي بدأت قبل عشر سنوات، بكل ألقها واستثنائيتها، وبكل فيض الحب الذي كان يغمر السوريين الثائرين عام 2011. في كل عام وأنا أستعيد ما كتبته على صفحة فيسبوك في هذه الأيام، أصاب بحزنٍ لا أستطيع توصيفه، حزن وقهر وعجز مضاف إليه إحساس بالذنب، ووخز في الضمير لمغادرتي سورية نهاية سنة الثورة الأولى، أو ربما لمغادرتنا جميعا سورية، خوفا من الاعتقال والموت، أو بحثا عن الأمان، بدل الاستمرار في محاولة الحصول، ولو على مطلبٍ وحيد من مطالب الثورة.

لكنني أستعيد لاحقا تدويناتٍ كتبتها أو كتبها أصدقاء سوريون، توثق ما حدث خلال السنوات الماضية، وتسجّل بالتواريخ ما تعرّض له السوريون من عنف وإجرام غير مسبوق، وصولا إلى وقتنا الحالي، حيث يعيش السوريون داخل سورية (في مناطق النظام وفي المناطق الخارجة عن سيطرته، وفي مخيمات دول الجوار) في كارثةٍ إنسانية لا مثيل لها، حيث الجوع والعوز وانعدام أدنى شروط الحياة الإنسانية والكرامات البشرية (التي سفكت وانتهكت بكل الأساليب، ومن جميع المتسلطين في سورية)، فأقول لنفسي، وأنا أستعيد ذلك كله: ربما لصالح أجيال سورية قادمة أن خرج كثيرون منها قاصدين دولا تحترم إنسانيتهم وحقوقهم البشرية، وتصون كراماتهم التي أهدرت عقودا طويلة. ربما لصالح سورية أن تنشأ أجيالٌ بعيدة عن الحرب وآثارها النفسية المدمرة، إذ قد يحدث أن يعود هؤلاء ذات يوم إلى سورية، ويعيدون بناء مجتمع جديد بعقد إنساني محترم، يشبه مجتمعات الدول التي عاشوا فيها ومنحتهم فرصا ما كانوا ليحصلوا عليها، لو لم تغادر عائلاتهم سورية في وقت الثورة والحرب؛ ربما سيتاح لهذه الكوادر، ذات الأصل السوري، أن ترى سورية بشكل مختلف في يوم ما من الزمن المقبل، وهي المتخفّفة من الأثر الذي يخلفه الإجرام المعمّم على الأرواح، ويختزنه العقل الباطن، ليظهر على شكل غضبٍ وعنفٍ وتشبّه بالجلاد في رفض الرأي المخالف، وشمولية الرؤية الفردية ومحاولة فرضها بوصفها الحقيقة الوحيدة، والتمثيل، افتراضيا، في جثة من يعترض على سياق يريده بعضهم عاما، بذريعة محاربة اليأس والتمسك بالأمل.

نمتلك جميعا هذا الغضب السلبي المدمّر، نحن الأجيال التي عاصرت السنوات العشر السابقة، ولم ينج من ذلك حتى الجيل الشاب الذي كبُر مع سنوات الثورة والحرب، وخرج إلى مجتمعاتٍ معافاة، إذ يحمل هذا الجيل معه ثقل ما تعرّض له جيل آبائه، وما تعرّض له هو نفسه، هذا الثقل الذي لا يزيحه الإحساس بالأمان ولا بالكرامة. سيبقى مثل حدبة ثقيلة تحني ظهر حاملها، إلى أن تتحقّق معجزة ما، ويُحاسب من تسبب بكل ما حدث، وهو أملٌ لا يبدو تحقيقه واردا في المنظور القريب، إذ لم يصدف أن حاكمت العدالة الدولية مجرما متهما بارتكاب جرائم حرب ودولة، بعد المحاكمات التي طاولت مرتكبي جرائم النازية، والتي كان وراءها ضغط كبير من اللوبي اليهودي في أوروبا وأميركا، المتكاتف والفاعل جدا بما يخص قضاياه، وهو ما لا يتوفر للسوريين الذين تعرّضوا لإجرام نظام الأسد وحلفائه، ولإجرام الكتائب الإسلامية الراديكالية، وحتى تلك التي تعتبر معتدلة. نحن نمتلك فقط القدرة على الخلاف على أصغر القضايا وعلى أكبرها، حتى اختلافنا يتحوّل إلى خلاف شائك، نعدم فيه بعضنا بعضا. كما نمتلك القدرة على تهشيم وتشويه سمعة وصورة وتاريخ كل من يخالفنا الرأي. لم نستطع تقديم صورة نبيلة عن الثورة، ولا عن أنفسنا للأسف. لا كيانات المعارضة قدّمت هذه الصورة للمجتمع الدولي، ولا النخب السياسية والثقافية والفكرية والقانونية فعلت هذا، ربما هذا هو فقط ما يجمعنا بعد عشر سنوات من الثورة: سهولة شتم وتدمير الجميع بدءا من المجتمع الدولي وانتهاء بأصغر كاتب رأي مختلف على صفحات العالم الأزرق.

في كل حال، ليس فقط أن المجتمع الدولي لا يأخذنا على محمل الجد، بحيث نتمكّن من تشكيل ضغط لتحقيق ما نصبو إليه، بل أيضا، لا يبدو أن هذا المجتمع ينوي محاسبة النظام السوري، أو حتى إزاحته عن حكم سورية، بل ما يحدث هو محاولات لإعادة تدويره، وترتيب أوراقه من جديد، على حساب السوريين وكراماتهم وحاضرهم ومستقبلهم. لا يريد أحد من السوريين الاعتراف بالهزيمة، لا المعارضون ومؤيدو الثورة، ولا الموالون ومؤيدو النظام، بينما الواقع، بعد مرور عشر سنوات على الثورة التي كادت أن تكون استثنائية في تاريخ البشرية: هزمنا جميعا، وأفضل ما نفعله هو الاعتراف بهذا، بدل رطانة شعاراتٍ لا معنى لها.