لا أحد يحمي الملائكة

29 سبتمبر 2020
الصورة

(Getty)

مع انتشارها الكثيف، تُظلّل جرائم الإغتصاب يوميات كلّ أمّ وأب، بغطاء كثيف من الخوف على أبنائهم كلّما غادروا البيت. ولا أحد أدرى بمرارة كلمة "خوف" من النّساء؛ ألا يَخرُجن كلّ حياتهن، ومهما كانت أعمارهن وأشكالهن وملابسهن، وهنّ خائفات؟ فمن يحمي الطفولة، حيث الحياة طرية في أول شروقها ووعودها، إذا اعتُديَ عليها، وسُرقت منها بهجة اكتشاف الأشياء، في سذاجتها وبراءتها الأولى؟ ماذا ستفعل الضّحية عندما يكتمل نموّها، وترى الأشياء في حجمها الطبيعي، وتُكشّر لها الحياة عن وجهها؟ هذا إذا نجت ونفذت بحياتها من أيدي المعتدين.
لمحاولة فكّ شيفرة جرائم الإغتصاب، من أجل حماية أطفالنا من المتربّصين وما أكثرهم، علينا مواجهة حقيقة منبع فعل الإغتصاب، والتخلّي عن الرأي الشّائع إنّ المغتصبين يتصرّفون بدافع الرّغبة الجنسية. وتُشكّل الفكرة التي تقول إنَّ الاغتصاب قد تطوَّر نتيجة بعض الظروف، كتكيّف سلوكي على أساس جيني، والتي طرحها أوّل مرة العالمان راندي ثورنهيل، وكريغ بالمر، في كتابهما "التاريخ الطبيعي للإغتصاب"، إحدى طرق إدراك منابع الميول الإجرامية للاغتصاب. يُشيران إلى نقاط تساعد على التعرّف على أسباب قيام أحدهم بجريمة وحشية، مثل اغتصاب الأطفال الذي يصدر أحيانًا عن رغبةٍ في الهيمنة والسّيطرة، ولا علاقة له بالجنس في حد ذاته. وهذا ما يفسّر العنف الذي يواصل المجرم ارتكابه ضدّ ضحيته بقتلها. وعلى الرغم من علمه أنّ عقوبة القتل التي تنتظره أعنف من عقوبة الإغتصاب، لكنه لا يرتدع، لأنّ دائرة السّلوك العدواني الذي يمنحه، في معظم الأحيان، متعة تفوق متعة الجنس، قد سيطرت عليه. لذا لا يكترث بما يأتي ولا يتوانى عن القيام بخطف حياة الضحية. وهو أمر يختلف عن البيدوفيل (من يشتهي الأطفال)، الذي يمكن أن يغتصب ضحايا متعدّدين، من دون أن يفكّر في قتلهم، مع أن خطر الافتضاح قائم هنا أيضًا، لكنه يلجأ غالبا إلى إغراء الضّحايا وتهديدهم لإسكاتهم.

يجب أن يتضمّن أيّ حل أخذ شكاوى الآباء، في حالة اختفاء الأطفال، بجدّية كبيرة

لا يقتل معظم المغتصبين ضحاياهم لإخفاء الجريمة، كما يصرّ بعض الصّحافيين على تذكيرنا بذلك، كأنّها دخلت ضمير المجرم، أو امتلكت أدوات التّحليل النفسي، مع يقينٍ كامل بأنّ لكل فعل دافع واحد وأوحد. ولعل هذا يساعد في التّعامل مع قضية الطفل المغربي عدنان الذي قتله مغتصبه، والتي ليست سوى نموذج من أفلام الرّعب في مجتمعاتنا. في غياب تصرّف حقيقي لحماية الضّحايا المحتملين للجرائم الجنسية التي تزدهرُ في عتمة العيب والعار، وفي ظلّ تاريخٍ طويل من غض النّظر عن الذئاب، وتحميل الحِملان ذنب من ينهش أجسادهم خفية. وتبرير الإغتصاب من وجهة نظر تُقرّ صعوبة تحكّم المغتصب في غرائزه الجنسية التي تميل المجتمعات الذكورية إلى تفهّمها، والتّخفيف من مسؤوليته عنها.
ما حدث لعدنان، سيبصم نفوسنا إلى أمد بعيد. الطّريقة التي تَشارك فيها المغاربة صورته وقصته جعلته فردًا من كلّ أسرةٍ تابعت البحث عنه، وفُجعت في خبر قتله. ولكن عدنان ليس وحيدًا، ولن يكون، ما دام القانون رخوًا تجاه الجرائم الجنسية، وما دام المجتمع يغضّ الطرف، حين يرى ويغفر بسهولة، حتى لو أمسك مجرما متلبّسا. ولكن المسؤولية الكبرى تقع على جهاز الأمن، إذ لا يمكننا عدّ الحالات التي وجد فيها المواطنون أنفسهم بحاجة للشرطة، ولم تكن هناك، ولم تفعل شيئًا لأجلهم. وما دام الأمن غائبا عن حماية المواطن، مشغولًا بحماية الدّولة، فستواصل الجرائم الجنسية ازدهارها مع مرور الوقت، وتتكاثر الوحوش الجنسية.

المسؤولية الكبرى تقع على جهاز الأمن، إذ لا يمكننا عدّ الحالات التي وجد فيها المواطنون أنفسهم بحاجة للشرطة، ولم تكن هناك، ولم تفعل شيئًا لأجلهم

عند اختفاء عدنان، ومنذ اليوم الثاني كان واضحا أنّه لن يعود. هكذا يحدُث في قصص اختفاء الأطفال، بمعجزة فقط قد يعودون أحياء. والشيء الآخر الذي كان واضحًا أنّ الجاني، في الغالب، فرد من العائلة أو المحيط .. هكذا يكون عادة. والمفروض أن لدى الشّرطة الشكوك نفسها، وستكثّف البحث في الحي الذي يقيم فيه الطفل، لكنها في واد آخر، لا يوجد فيه اعتبار للمواطن العادي.
ونحن نتذكّر جريمة ذبح السّائحتين الأوروبيتين في جبال الأطلس (ديسمبر/ كانون الأول 2018)، كيف وُجد الجناة بعد يوم واحد. لأنّه تم تسخير كل القوى الأمنية؛ فالأمر حسّاس ومهم، مع أنّ القضية كانت أصعب، لأن الجريمة حدثت في منطقة قروية، لا شهود عليها ولا فيديوهات يكاد المجرم يقول فيها خذوني، كما في حالة قاتل عدنان الذي جالت صوره مع الضحيةِ المغربَ وخارجه، مع ذلك لم تتمكّن الشّرطة من إيجاده. وبعد اكتشاف جثمان عدنان، حجّت بكثافة أمام بيت قاتله. ما الفائدة، عدا عن البديهي، الحيلولة دون ردود فعل عنيفة من الناس، ولإقناعنا بأن أفراد الأمن هؤلاء جميعًا كانوا يبحثون عن عدنان؟
هناك تهاون رهيب تجاه أمن النّاس. لهذا يجب أن يتضمّن أيّ حل أخذ شكاوى الآباء، في حالة اختفاء الأطفال، بجدّية كبيرة، وتغيير طريقة تعامل الشرطة مع المواطن. هذا أهم ما يمكن فعله؛ فهذا المجرم ليس وحيدا، بل أمثاله كثر، يخطفون ويغتصبون كل يوم. وليس الحل في إعدام مجرم واحد، بل تشديد عقوبة الإغتصاب، حتى لا نرى المجرمين ينالون أحكاما بسنتين. وإصلاح مرفق الأمن الذي لا يقلّ سوءًا وإهمالا عن مرفقي التّعليم والصحة. نحن لا نعني شيئًا لجهاز الأمن الذي يرى أن مهمّته الأولى ضبط البلاد لا حماية العباد. وجدل عقوبة الإعدام أو المؤبد لقاتل عدنان الذي اندلع بعد القضية يبقى خارج السّياق، لأنّ المعضلة الحقيقية أن المتهمين في الجرائم الجنسية ينالون أحكاما مخفّفة، ويغادرون بعد بضع سنوات، ليعتدوا على ضحايا آخرين. وإعدام المجرم لن يعيد عدنان، لكن تشديد عقوبات الاغتصاب والتحرّش الجنسي، وإسقاط تعبير بالغ السّخافة هو "هتك العرض"، قد يكون مُجديا.

نتذكّر جريمة ذبح السّائحتين الأوروبيتين في جبال الأطلس، وكيف وُجد الجناة بعد يوم واحد!

في هذا المستوى، تجد أن المتهم بالإغتصاب يحضر أمام القضاء بتهمةٍ أخفّ هي "هتك العرض". مع أن مجرّد اقتحام حميمية جسد شخصٍ آخر، كبيرا كان أو صغيرا، امرأة كانت أو رجلا، هو اغتصاب حقه في كرامة جسده، والتصرّف فيه وفق إرادته هو. فما بالك بممارسة الجنس، حتى ولو بشكل سطحي، لا يؤدي إلى افتضاض البكارة في حالة الطفلات أو النساء؟ كما أن كلمة "العرض" فضفاضة، ويتم تكييف جرائم الإغتصاب على أنها مجرّد إضرار بعرض الضحايا وشرفهم وأسرهم، خصوصا مع غياب دلائل مادية قوية، على الرغم من أن مرور الزّمن وصدمة الضحايا تُصعّب عملية الاحتفاظ بأثر الجريمة. والتوجّه المباشر إلى المستشفى من أجل فحص طبي عادي، أو شرعي، لتوثيق آثار الإعتداء الجنسي، ليس أمرا هيّنا على الضحايا. 
وسواء اكتملت رغبة المجرم أو لا، يبقى الإغتصاب اغتصابا. والأسوأ أن افتضاض البكارة يُذكر تهمة إضافية، بمعنى أنّه إذا لم تكن هناك بكارة لافتضاضها، فهذا يعني أن الاغتصاب أقلّ ضررًا! وفي ذلك كله يبقى أطفالنا من دون حماية. وسرعان ما يُنسى عدنان وغيره، ليستمر مسلسل الاغتصاب في نهش براءة الصغار مع نفاذ الوحوش بجلدهم مرات بلا عدد، ما دام أنهم لا يُحكمون بالسجن المؤبد بشكل يمنع أذاهم إلى الأبد.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج