لاري كينغ وسامي حدّاد

26 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

لا تقصد واو العطف في العنوان أعلاه الجمع بين الاسمين المعلومين فيه، وإنما بين تجربتيهما، وهما اللذان اشتركا في مهنة المُحاور (والمذيع) التلفزيوني (والإذاعي)، سنواتٍ طويلة، قبل أن يجمعهما الأسبوعُ الماضي في مغادرتِهما الحياة، سامي حدّاد عن 82 عاما، لاري كينغ عن 87 عاما، في مصادفةٍ، لعلها التي تسوّغ هذه السطور عنهما. الأول معروف الاسم عربيا، والثاني مشهورٌ عالميا، وهذا تفاوتٌ لا يتعلق أبدا بكفاءةٍ لدى الأخير، وهي مشهودةٌ ومؤكّدة، تفوق كفاءة الأول، المشهودة المؤكّدة، وإنما يعود إلى أن سامي حدّاد عربي أردني، وإن أمضى نحو ثلاثين عاما في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، الإذاعة ثم التلفزيون، قبل أن يتعرّف عليه النظارة والمستمعون العرب أكثر، من على شاشة قناة الجزيرة التي كان من مؤسّسيها وإعلامييها الرفيعين. أما لاري كينغ فإنه بالكاد كان معروفا في محيطه قبل التحاقه بـ "سي إن إن" في 1985، ويقدّم على شاشتها برنامجه الحواري المثير والناجح، وهي المحطّة الأشهر في العالم (وما زالت؟)، حتى إذا غادرها في العام 2010، لمّا حان الوقت لتعليق حمّالتيه في الليلة الأخيرة التي أطلّ فيها على تلك الشاشة، كما قال، إلى محطة تلفزيونية أخرى، لم يحظ بالمشاهدة والاهتمام اللذيْن كان يحوزهما إبّان نجوميته في "سي إن إن"، وكان دخله السنوي 15 مليون دولار (هل من داعٍ للإشارة إلى ولعه بلعب القمار؟). والمعنى هنا أن متانة المؤسسة الإعلامية ومهنيّتها وجماهيريّتها من أهم الأمور التي تُسعف الإعلامي، المحاور التلفزيوني في المقام هنا، صاحب الكفاءة والاقتدار، على تظهير تميّزه وجدارته، ما يحقّق له أعرض شهرة ومسموعية ومتابعة. وكم من موهوبين وذوي ملَكاتٍ يعملون في مؤسساتٍ إعلامية، محدودةٍ في إمكاناتها وضيقةٍ في ذيوعها، لا يجدون للطاقة التي فيهم سبلا لصرفها إنجازاتٍ وإبداعات.
أخذ خبر وفاة سامي حدّاد، الثلاثاء الماضي، مكانه في وسائل إعلام عربية، وبعض الأجنبية بالعربية، وجاءت عباراتُ نعيه، سيما ممن زاملوه، على إطراءٍ طيبٍ بخبرته وأدائه، وذُكر أنه معلّم، وربما وحدها خديجة بن قنة أشارت إلى "خناقاته الأنيقة مع الرؤساء على الهواء". أما لاري كينغ فمساحات خبر وفاته توزّعت في أربع رياح الأرض، وتم التذكير به "أسطورةً" و"ملك الميكروفون"، و"ملك الحوارات الأميركية"، وقد يستحقّ الرجل هذا كله، إلا أنه يحسُن أن لا يغفل واحدُنا عن بديهيّة أن هذا الصحافي اللامع ما كان له أن يصير هكذا لولا مساحات المهنية العالية المتاحة في "سي إن إن"، والإدارة الرفيعة التي تسيّر هذه المؤسسة، فقد سوندت كفاءته وموهبته وقدراته (لم يكن يُفرط في التحضير لمقابلاته) بهذين المعطيين الجوهريين، معطوفا عليهما، من قبل ومن بعد، الإيقاع الأميركي العام، حيث لا تتعيّن لحرية الإعلام سقوف، ولا تحيط بمذيعٍ يحاور رئيس الولايات المتحدة (مثلا) أي قيود، ما يجعله يجري المحاورة بالكيفية التي يريد، كما يفعل في مقابلته مغنيا أو ممثلة إباحية أو مجرما سابقا أو متّهما بالتهرّب من الضرائب، وكما يحاور رئيس روسيا (ورئيس الاتحاد السوفياتي قبله غورباتشوف) وغيره من مشاهير غير أميركيين، كان منهم أسوأ من قابلهم وأصعبهم، بحسب قوله (من بين 30 ألف مقابلة أجراها)، معمّر القذافي، فقد كان هذا سخيفا وكاريكاتيريا، وهو يطلّ على "سي إن إن"، ويخبر لاري كينغ عن تركه السلطة وتسليمها للشعب منذ 1977. تماما كما ركاكتُه في مقابلة سامي حدّاد معه (سابقة لتلك) على شاشة "الجزيرة"، وافترض أن يكون الصحافي العربي قدّامه مداهِنا، فلمّا لم يجده كذلك، اعتبر الأسئلة التي سمعها أسئلة شوارع!.
ليس من أحدٍ من الزعماء العرب ممن قابلهم لاري كينغ لم يقابله سامي حدّاد، ولا أظنّه تفوّق على زميلنا في جرأة السؤال (القصير غالبا)، وفي الحصول (أحيانا) على سبق إخباري، وفي ما قد يعتبر "استفزازا" للضيف، فيما هو ليس كذلك. ولأن الحاكم العربي لم يعتد ما أحدثته قناة الجزيرة من مزاجٍ مختلف، لم يكن مستغربا أن يغضب ياسر عرفات من سامي حدّاد (لازم تعرف إنت بتكلم مين)، وأن يهدّد علي عبد الله صالح بالانسحاب من المقابلة على الهواء. بل ثمّة أيضا تعليقاتٌ في صحيفة بريطانية جاءت على ما اعتبرتها "وقاحة" منه في محاورته توني بلير. وقبل ذلك كله (وكثير غيره) أن ينجح في إحراز تصريحٍ مثير في وقته، أيام "بي سي سي" من الحسن الثاني بشأن الصحراء. .. 
لم يكن سامي حدّاد في "سي إن إن"، حيث أميركا، وما أدراك ما أميركا في الإعلام. ولم يكن لاري كينغ في محطّةٍ عربية، حيث للعرب تفاصيل وتفاصيل، وإنْ أوقعت "الجزيرة" فيهم ما أوقعت.. هذه هي المسافة بين تجربتي الرجلين، ليس أكثر ولا أقل.