كيف يمكن تعبيد درب العدالة الوعر في سورية؟
أول جلسات محاكمة المُشتبه بهم في أحداث الساحل السوري في حلب (18/11/2025 فرانس برس)
من المتوقّع أن تكون المحاكمة العلنية لبعض المتورّطين في مجازر الساحل السوري (مارس/ آذار الماضي) عرضةً للانتقادات (الإيجابية والسلبية)، في ظلّ الحالة المجتمعية المتوتّرة في سورية، خصوصاً من الناحيتَيْن الاقتصادية والمعيشية اللتَيْن تُرخيان ظلالهما على الجميع، وفي استمرار الانتهاكات والفوضى الأمنية في مناطق عديدة من سورية، وكذا الممارسات العنفية ذات الدوافع الطائفية ضدّ بعض المكوّنات، خصوصاً الطائفة العلوية، التي ما زال الوضع الأمني في مناطقها عنيفاً ومتوتّراً، ممّا يترك مدنيين عديدين في مناخ من الخوف، فيعيش معظم أفرادها، خصوصاً النساء والفتيات والأطفال، كابوساً. عدا عن التوغّل الإسرائيلي المستمرّ في الجنوب السوري، والذي لا يمكن تجاهل أثره النفسي لدى غالبية السوريين. وعدا عن مطلب العدالة الانتقالية التي يصرّ عليها السوريون بعد الحرب المدمّرة 14 عاماً.
لا يمكن حلُّ أيٍّ من هذه التحدّيات بشكل مستدام يدعم السلم الأهلي ويدفع المجتمع في طريق التعافي، من دون عملية سياسية هادفة. الحقّ في معرفة الحقيقة، والحقّ في العدالة، والحقّ في التعويض، وضمان عدم التكرار... أهداف في صميم العدالة الانتقالية. هذه العدالة التي ما فتئ الشعب السوري يطالب بها، حتى لو لم يكن الجميع فاهمين معناها وفحواها وطرائق تطبيقها، لكن الجميع يفهمون فحوى كلمة عدالة، والحاجة الروحية إليها، هذه العدالة حلم الشعب السوري. لكن مسار العدالة الانتقالية مسار طويل ومُعقَّد، وطريق صعب ووعر. وما يزيد من صعوبة تحقيقه، ويضع عقبات كبيرة في مساره، استمرار التجاوزات، وعدم القدرة (حتى لو توافرت النيّة) على إقامة الدعائم الأساسية في المجتمع، والعمل على جعل فئات المجتمع ومكوّنات الشعب راغبةً في إقامة دولة يشعرون بالانتماء إليها، ويعملون في رعايتها للنهوض وبناء وطن للجميع، إذا كانت السلطة الحالية راغبة بالفعل، وتعمل بإصرار على سورية واحدة أمام هذه التحدّيات الكبيرة، التي تعزّز الجنوح نحو أشكال أخرى للحكم كالإدارات الذاتية أو الفيدرالية أو حتى التقسيم.
الحقّ في معرفة الحقيقة، والحقّ في العدالة، والحقّ في التعويض، وضمان عدم التكرار... أهداف في صميم العدالة الانتقالية
يتطلّب هذا من السلطة الدفع باتجاه تجاوز خطاب الكراهية والأحكام المسبقة، بل ومقاضاة من يسعى في هذا الاتجاه، والعمل في إنشاء روابط متينة بين الأفراد، إذ لا تنتهي الحرب، مثل الحرب التي عاشها السوريون، ما لم يعد المتحاربون مواطنين قادرين، ليس على التعايش فحسب، بل أيضاً على الاتفاق بشأن المؤسّسات والقواعد والأهداف العادلة والمشتركة، وخلق شروط التعاون المبني على المساواة والعدالة الاجتماعية. من المفيد أن تكون جهود السلطة الجديدة موجّهةً نحو أهداف أساسية، أو مؤسّسة لحياة مستدامة لكل أفراد الشعب، هذه الأهداف تتركّز بشكل رئيس في تعزيز الأمن من خلال منع تجدّد النزاعات المسلّحة، وتعزيز الأمن المجتمعي والإنساني، وتعزيز التنمية بتوفير الخدمات الأساسية للدولة مثل المياه والصرف الصحّي والتعليم، وتعزيز حقوق الإنسان، وأن يكون جهدها موزّعاً بالتوازي بين الخارج والداخل. فالسلطة الحالية قد أنجزت نشاطاً دبلوماسياً ناجحاً يُحدِّد سياساتها الخارجية ويرسمها، ويشفُّ عن استراتيجياتٍ ترسم مرحلةً جديدةً لسورية المستقبل، تختلف عمّا كانت عليه في العقود السابقة، فكان رفع العقوبات من أهم الإنجازات التي تفرح الشعب السوري وتعزّز أحلامه التي دفع ثمنها غالياً. لكن من دون تأمين البيت الداخلي، يمكن أن تذهب هذه الإنجازات كلّها هباءً، مع كثير من الأسف. إن تحسين الحكم وفسح المجال لفئات الشعب كلّها للمساهمة في رسم السياسات الداخلية والخارجية، وكذلك قدرة الدولة على دمج الاختلافات الاجتماعية وإدارة النزاعات المتعلّقة بالموارد والهُويَّة والأولويات الوطنية، أمر ضروري لتحقيق سلام طويل الأمد للشعب السوري، الركيزة الأساسية في النهوض والبناء.
ستبقى محاكمات من هذا النوع عرضةً للانتقاد وعدم الرضا من شرائح سورية. وبالفعل، يمكن توجيه ملاحظات عديدة بشأنها، أبسطها النواحي الفنّية من رداءة الصوت وعدم إشهار وجوه المتّهمين. وما لم تكن محاكمات دقيقة وشفّافة ومدعومة واقعياً بأفعال وإجراءات حكومية تقوم على منع الارتكابات الجديدة، ومنع التعدّي على بعض المكوّنات، وإرساء سلطة الدولة على أمراء الحرب أو المُروِّجين لها والمناطق الفوضوية، فستتعرقل العدالة الانتقالية المرجوة، التي ينتظرها الشعب السوري، وسيؤدّي هذا إلى تأجيج النزاعات والفوضى والفلتان الأمني. فالمجتمعات الخارجة من حرب (كالحرب السورية) تكون في غاية الهشاشة، وسريعة الاشتعال من جديد. وتنظيم الخروج من الحروب يتطلّب تحرّكَ عددٍ كبير من الفاعلين المحلّيين، وإن الاعتماد على النُّخب الثقافية والمجتمعية ومنظّمات المجتمع المدني وغيرها من الجهات المؤثّرة، ضروري من أجل البناء.
يحتاج السوريون لإعادة بناء سورية إلى خطاب يرفع الانتماء إلى الوطن فوق كل انتماء
كتبت الشابة جنا علا مصطفى، ابنة أحد الضحايا المدنيين، ولم يكن من الفلول أو يحمل سلاحاً، في مجازر الساحل التي وقعت في مارس/ آذار الماضي، منشوراً بعد مشاهدتها جلسة المحاكمة الثلاثاء الماضي، قالت فيه: "كنت أبحث بين الوجوه عن قاتل أبي، ذلك الوجه الذي لن أنساه ما حييت. كانت الملامح ضبابية على الرغم من أن الجلسة تبثّ في عدّة قنوات عربية، فقد قاموا بداية بتغطية الوجوه، فلم أتمكن من التعرّف على قاتل أبي، لكنّني في داخلي أدرك تماماً أن القاتل ليس فرداً واحداً. القاتل هو كل من حرّض، وكل من ضخّم، وكل من سهّل، وكل من فتح الطريق، وكل من برّر لاحقاً". وتتابع: "روحي تنزف هذا الصباح، لست أبحث عن انتقام لنفسي، إنما أريد عدالةً تمنع تكرار المأساة عن أيّ طرف آخر في هذه البلاد الخائبة. أريد اعترافاً كاملاً أولاً، ومحاسبة للمجرمين ليكون ذلك جبراً لقلوب مكسورة. أريد محاربة خطابات الكراهية والتحريض، وأريد منع رفع السلاح في وجه الأعزل (حتى لو كان مجرماً) من دون محاكمة عادلة. أريد أن نربّي الصغار على أن كأس الطائفية سُمٌّ، وحين يرفع عالياً سنشربه جميعاً ونموت. أريد أن نعلمهم أن السلطات تزول، والشعوب تبقى. أريد تعليمهم أن حبّ الوطن وبناءه لا يكون بمحاربة الآخر، بل باحتضانه... حتى تذوب الأرواح وتختلط الدماء فيصبح موتك غالياً عليّ ويصبح موتي غالياً عليك". وتنهي منشورها: "لنقف معاً بوجه كلّ هذا الظلم، علّها تصير البلاد بلاداً يوماً فننام فيها آمنين".
هذا المنشور المكتوب بترفّع فوق الجراح والفجيعة، وفوق المشاعر الكارهة والانتقامية، فيعزّز الانتماء الأكبر إلى الوطن، ويرفعه فوق كل انتماء، هو ما يحتاج إليه الشعب السوري اليوم. ويجدر بالسلطة الحالية العمل على تكريس خطابٍ من هذا النوع لدى الجيل الناشئ، الجيل المأمول منه بناء سورية، والحفاظ على ديمومة هذا البناء مستقبلاً، وجعله نهجاً وأساساً في المناهج التعليمية والتربوية.