كيف يردّ الغرب إذ يتجرّع كأس المهانة من ترامب؟
كاتب ومحامٍ وحقوقي سوري، المديرالسابق للهيئة السورية للعدالة والمحاسبة، مقيم في ألمانيا.
رئيس وزراء كندا مارك كارني يلقي خطابا في المنتدى الاقتصادي بدافوس (20 /1 /2026/ فرانس برس)
كان المؤتمر الاقتصادي العالمي أخيراً، المعروف بـ"منتدى دافوس" (19 إلى 23 يناير/ كانون الثاني 2026)، حدثاً استثنائياً بامتياز. شارك فيه ما يقرب من ثلاثة آلاف ضيف، بينهم أكثر من 65 رئيس دولة وحكومة، أبرزهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحت شعار "روح الحوار" (A Spirit of Dialogue). ركّز المؤتمرون خلال حواراتهم في نقاط رئيسة تتعلّق بإعادة تشكيل العلاقات الأطلسية، سيّما مسائل التجارة والتعرفات الجمركية، وتطرّقوا أيضاً إلى موضوعات "الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي". كما أُطلقت مبادراتٌ جديدةٌ لحماية موارد المياه العالمية والاستثمار في الطاقة النظيفة، كذلك نوقشت سبل مواجهة الدَّين العام العالمي الذي تجاوز مائة تريليون دولار، وكيفية بناء "اقتصاد مرن" قادر على امتصاص الصدمات المفاجئة.
الحدث الأبرز الذي شغل الحضور والمتابعين كان "مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس ترامب لمعالجة معضلتَي الحرب في غزّة وأوكرانيا. جاء اختيار ترامب مؤتمر دافوس لإطلاق "مجلسه للسلام" رسالةً واضحةً للجميع بأفول عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية وقدوم عصر جديد بالمطلق، لم يُتفق بعدُ على تسميته. بدأت إرهاصات هذا العصر الجديد مع قدوم ترامب في حقبة رئاسته الأولى، وهي تستكمل ملامحها الآن في رئاسته الثانية. وتحدّد استراتيجيتا الأمن القومي والدفاع الوطني الأميركيتان، الصادرتان في نهاية عام 2025 وبداية 2026، الخطوط العريضة لهذا العصر الجديد.
أوروبياً، جاء المستشار الألماني فريدريش ميرز في الدرجة الأولى من حيث الواقعية السياسية، فقد أعلن أنّ "السيادة تُنتزع ولا تُمنح"، معتبراً أنها يجب أن تقوم على القوة بعناصرها المتعدّدة، ليس العسكرية فقط، بل الاقتصادية والسياسية أيضاً. تمسّك ميرز بحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأعاد إلى الأذهان قوة الصناعة الألمانية، معتبراً إياها ركيزة للاستقلال الأوروبي وقاطرة القارة العجوز في مواجهة روسيا والولايات المتحدة على السواء. لكنّه أعلن، منتقداً الاتحاد الأوروبي: "يجب علينا تقليص البيروقراطية بشكل كبير في أوروبا؛ فقد أُنشئت السوق المشتركة في الأصل من أجل أن تكون أكثر منطقة تنافسية في العالم، لكنّنا بدلاً من ذلك أصبحنا أبطال العالم في الإفراط في التنظيم. هذا يجب أن ينتهي".
اكتفى ماكرون بإظهار الجانب العاطفي في موقفه، ما يدلّل على تراجع الدور الفرنسي عالمياً وأوروبياً أيضاً
في المقابل، ذهب الرئيس الفرنسي ماكرون إلى التحذير من خطورة المضي قدماً في النهج الأميركي المتهوّر، محذّراً من تحوّل العالم إلى غابة يُطبّق فيها القوي قانونه الخاص، في إشارة صريحة إلى اختطاف رئيس فنزويلا، مادورو، والضغوط على غرينلاند. لكن ماكرون لم يذهب إلى التصعيد كما فعل سلفه جاك شيراك عندما رفض غزو العراق وقاد حملةً دبلوماسية في مجلس الأمن لرفض شرعنة أيّ غزو غربي. اكتفى ماكرون بإظهار الجانب العاطفي في موقفه، ما يدلّل على تراجع الدور الفرنسي عالمياً وأوروبياً أيضاً.
أمّا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين فقد كانت الأكثر عمليةً بين الجميع عندما أطلقت مبادرة لتوحيد تسجيل الشركات في أوروبا خلال 48 ساعة لمنافسة الديناميكية الأميركية. كما اعتبرت أن "الطاقة المحلّية النظيفة مسألة أمن قومي" وليست مجرّد ترف مناخي. وبهذا يحاول الأوروبيون قطع الطريق على الابتزازَين الأميركي والروسي على حدٍّ سواء.
أمّا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني فكان الأكثر تحدّياً في مواجهة المتنمّر الأول ترامب، صاحب الأجواء الاستعراضية الصاخبة. شكّل خطابه رافعةً أوليةً للموقف الغربي عامّةً في مواجهة الطموحات الأميركية التوسّعية. وضع كارني إصبعه على الجرح، لا ليوقف النزيف، بل ليوسّعه، حين عرّى الحقيقة الحاضرة الغائبة عن أذهان الجميع، كالفيل في الغرفة الذي لا يريد أحدٌ الحديث عنه. أعلن الرجل صراحةً (وبوضوح تام) نهاية عصر "النظام الدولي القائم على القواعد" الذي لم يعد يحمي أحداً. وأضاف أن العالم خرج الآن من "فقاعة الكذب" التي استلهمها من مقالة الرئيس التشيكي الأسبق فاتسلاف هافل ("قوة الضعفاء") أيام النضال ضدّ الشيوعية.
الولايات المتحدة ما زالت، حتى اللحظة، القوة الأكبر في العالم على جميع الأصعدة، متجاوزةً من يليها بأشواط بعيدة
شرّح النظام القديم القائم على أساس المفاضلة بين الأقوياء، بحيث يُعفي الكبار أنفسهم من التقيّد بالقانون الدولي كلما رأوا ذلك في مصلحتهم، بينما يتمسّك الضعفاء به على أمل النجاة أو تقليل الخسائر. اختصر المشهد بأن العالم (ولا بدّ أنه يقصد العالم الغربي) بدأ الآن يعمل وفق قيمة القوة بعد أن كان يسير بهدي قوة القيم. ولم يكتفِ كارني بالتنظير، بل ذهب إلى اجتراح الحلول العملية؛ فبدلاً من الرضوخ للتنمّر السياسي والابتزاز الدفاعي والاستحواذ الاقتصادي من الأخ الأميركي الأكبر، أطلق مبدأ تنوّع الشراكات وتحالف القوى المتوسّطة. هكذا بدا خطاب رئيس وزراء كندا وكأنّه إعلان استقلال سيادي في مواجهة محاولات الهيمنة الأميركية.
كان البريطانيون صريحين في رفضهم الانضمام إلى مجلس السلام، وقد برّروا ذلك بخشيتهم من انضمام روسيا إليه. لكن الحقيقة أنهم لا يريدون الانصياع لترامب وفقدان دورهم الدولي نهائياً بقبول العمل تحت إملاءاته الفجّة. يجد البريطانيون أنفسهم في موقف لا يُحسدون عليه؛ فبعد انسحابهم من الاتحاد الأوروبي ورجوعهم إلى الحلف الاستراتيجي الأكثر حميميةً مع الولايات المتحدة، ها هم الآن يتعرّضون للسخرية من ضعفهم على لسان ترامب، الذي اعتبر تنازلهم عن السيادة على جزر تشاغوس لصالح موريشيوس تأكيداً نهائياً لتراجع قوتهم نحو أدنى المستويات. ومن هنا كانت التوافقات مع كندا في أعلى مستوياتها لمواجهة "العمّ سام" سافراً بوجهه الصريح من دون أقنعة.
أمّا الأستراليون فهم ممزّقون بين الحاجة إلى المظلّة الحمائية الأميركية في المحيط الهادئ في مواجهة الأطماع الصينية من جهة، وبين جاذبية فكرة القوى المتوسّطة التي أطلقها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من جهة أخرى.
خطاب مارك كارني رافعة أولية للموقف الغربي في مواجهة الطموحات الأميركية التوسّعية
هكذا يجد الغرب نفسه في مواجهة مباشرة مع منطق الاستعلاء الذي كان هو أصله ومصدره. وللمرّة الأولى (أو لنقل بدقّة أكبر: للمرّة الأولى بهذا الوضوح) يتجرّع الأوروبيون كأس المهانة الذي طالما أذاقوه شعوب أميركا وأستراليا وسكّانهما الأصليين وبقية شعوب آسيا وأفريقيا. إنها سخرية الأقدار إذ تدور على الباغي الدوائر. أصبح الأوروبيون والبريطانيون والأستراليون الآن قادرين على تمييز الخلل في النظام العالمي بعد أن أصبحوا خارجه، وبعد أن تحوّلوا من "جالسين إلى الطاولة" إلى "أطباق في قائمة الطعام"، حسب تعبير كارني نفسه.
جاء إعلان رئيس وزراء كندا تحالفَ "الدول المتوسّطة" ليعيد شرح خريطة العالم المتقدّم وفق المعطيات المستجِدّة؛ فلم يعد هناك العشرون الكبار ولا الثمانية ولا السبعة، بل هناك أميركا أولاً، والعالم كلّه ثانياً. ربّما لا يتوافق الصينيون والروس، ولا حتى الهنود والبرازيليون، مع هذا التصنيف الجديد، لكن الواقع يقول إن الولايات المتحدة ما زالت، حتى اللحظة، القوة الأكبر في العالم على جميع الأصعدة، متجاوزةً من يليها بأشواط بعيدة، وفي هذا لا يتناطح عنزان.
لكن السؤال الأهم الآن هو: هل فعلاً أصبحت أوروبا "الرجل المريض" كما يحلو للأتراك تسميتها الآن؟ وهل هي بضعف سكّان القارّات التي سيطروا عليها قبل قرون بالاستعمار المباشر؟ وهل عدم الغربيون جميعاً الحيلة في مواجهة الأخ الأكبر؟ هذا كلّه تحدّده (وترسم خطوطه) ردّات فعل الأوروبيين والبريطانيين والأستراليين على أرض الواقع، لا في أروقة "دافوس" فحسب. وأمامهم جميعاً، اختبار غرينلاند التي يراها كاتب هذه السطور أميركية آجلاً إن لم يكن عاجلاً.
كاتب ومحامٍ وحقوقي سوري، المديرالسابق للهيئة السورية للعدالة والمحاسبة، مقيم في ألمانيا.