كيف نتذكّر الوحدة المصريّة ـ السوريّة؟

01 مارس 2014   |  آخر تحديث: 01 أبريل 2024 - 15:56 (توقيت القدس)
+ الخط -

لعلَّ وليد جنبلاط أَصاب كثيراً حينما قال، مرّة، إِنَّ سبب الفشل في إقامة علاقات سوريةٍ ـ لبنانيةٍ سوية، طوال سنوات النفوذ السوري في لبنان، هو نفسُه سبب فشل الوحدة المصرية ـ السورية. ومناسبة التأشير، هنا، إليها، أَنَّ ذكراها السادسة والخمسين مرّت يوم الجمعة الماضي. وعلى بؤسٍ كثيرٍ في الراهن، فإنَّ إِحياءَ تشكيلاتٍ عربية مدنية، (اتحاد المحامين العرب مثلاً)، هذه الذكرى، دليلٌ على أَن واقعة تلك الوحدة ما زالت تمثّل تطلُّعاً باقياً لدى قوميين عرب حالمين، يسكنهم الحنين إِيّاه إلى أَملٍ مثّلته تلك الوحدة في أُفق هذا الشرق، كما رآها جمال عبد الناصر إبّان إِعلانها. ومع وجاهة هذه النوستالجيا، فإنَّ الأَسباب التي جعلت ذلك الأمل يخيب، أَدعى للحديث بشأنها، ولا سيما أَنها صنعت من "وحدةٍ ما يغلبها غلاب"، على ما قالت أُغنية محمد قنديل، موضوعاً لنهش عبد الناصر والقومية العربية لدى خصوم الرجل والفكرة، وجعلت تلك التجربة بين محاولاتٍ خائبة، تبدأ بالمؤتمر العربي الأول في باريس في 1913، وتنتهي بمشروع علي عبد الله صالح، إقامة اتحاد الدول العربية، والذي طرحه على قمتين عربيتين، في الدوحة وسرت، فيما كان يمنيون جنوبيون من مواطنيه يهتفون لإنهاء "احتلال" الشمال بلدَهم.

اندفع السوريون باتجاه الوحدة مع مصر، ولمّا تحققت، كان نزيهاً استفتاؤهم عليها، ورضوا بأن يصيروا في "إقليم شمالي" يديره عبد الحكيم عامر، غير أَنَّ مساراً للأحداث والوقائع، في ثلاثة أعوام ونصف العام، راكم تبرّماً غير هيّنٍ، لدى ضباطٍ وسياسيين غير قليلين، مما رأَوه استقواءً يجري في سوريا، يرتكبه ضباطٌ مصريون، كان معطوفاً على إِجراءاتٍ قمعية وبوليسية، توازت مع أجواء دسائس غير مطمئنة. وأَنْ يُقال هذا، وثمّة غيره، فذلك لا يعني إِشاحة التاريخ أَبصاره عن "مؤامراتٍ رجعية" عربية، كانت تستهدف تلك التجربة الوحدوية الواعدة، وعن أموالٍ دُفعت من أَجل إِضعافها وإِنهائها، في غضون الاستقطاب المعلوم التفاصيل إبّان زعامة عبد الناصر ومحاولات تحطيمها. لكن التأشير إلى هذا الأمر لا يحسنُ أن يغفِل عن عملية إدماج مصريةٍ مرتجلةٍ كانت تتم لـ"الإقليم الشمالي"، الشريك الأضعف، بحسب توصيفٍ صحيح، من دون التفاتٍ كثيرٍ إلى خصوصياتٍ وتفاصيل حيوية، وإِلى وجوب بناء عملية اندماجٍ وحدوي طبيعي متكامل، لا يقوم على شعورٍ بالفوقية لدى طرف على آخر.

لعلّ هذا هو الدرس الباقي من فشل الوحدة التي يتم "إحياء" يوم ذكراها، وتناسي يوم انتهائها، ربما لتطابقه مع ذكرى وفاة عبد الناصر كل عام، وربما، أَيضاً، لأن إخواننا القوميين والناصريين لا يستحسنون استحضار "جريمة الانفصال" التي اقترفها "عملاءُ الرجعية العربية"، على ما تختصر رطانتُهم الطريفة القصة كلها. ولأنها كانت وحدةً بين بلدين مركزيين في المشرق العربي، فإن مقامها في الوجدان العربي العام يحسنُ حمايته، وتحصينُه، مع الإفادة من وجاهةٍ باديةٍ في كلام وليد جنبلاط، مع مقاومةٍ واجبةٍ لمشاعر إِحباطٍ ثقيلةِ الوطأة فينا، ونحن نحدّق في الخراب السوري والبؤس المصري الراهنَيْن قدّامنا، ويجعلان من أُغنيةٍ لصباح، تعرف فيها الطريق من الموسكي إلى سوق الحميدية، مرثيةً ثاويةً في النفوس، شفانا الله وعافانا.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.