كيف غدا "الشعب يريد" شعاراً مرعباً

كيف غدا "الشعب يريد" شعاراً مرعباً

11 أكتوبر 2021
الصورة

مناصرون للرئيس التونسي قيس سعيد يتظاهرون معه في صفاقس (3/10/2021/الأناضول)

+ الخط -

لعبارة "الشعب يريد" لدى التونسيين دلالة خاصة لا يستحضرها غيرهم. للكلمات والعبارات ذاكرة، ومهما حاولنا نزع الدلالة عنها أعادتنا إلى نواتها الأصل. قبل أن يدرك التونسيون ما يمكن أن تدلّ عليه تلك العبارة في قواميس الديموقراطية الحديثة ودساتيرها ينتبهون أولاً إلى صرخة شاعرهم أبي القاسم الشابي في قصيدته "إرادة الحياة" إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر... ينسى الناس السياقات التي قال فيها الشابي هذا البيت، وقد لا يدركون ما كان يشير إليه: إلى الاستعمار؟ إلى قوى التحجّر الثقافي والاجتماعي التي حالت دون توق تلك النخب الطلائعية للحركة الأدبية والسياسية؟ غير أن شاعرهم رحل عن سن الخامسة والعشرين، وظلت قصيدته تتردّد في العالم، مطلقة الدلالة واسعة المعنى.
ضمّن التونسيون البيت في نشيدهم الوطني، وترحل الشابي من خلاله في كل العالم، حتى ذهب بعضهم إلى الخلط، فيعتقدون أن النشيد الوطني التونسي قد نظَمه الشابي، والحال أنه كان للمصري مصطفى صادق الرافعي. وبعد الاستقلال، تم التحايل عليه بين حين وآخر. ومع ذلك، كانت حناجر الناس، في المظاهرات، احتجاجاً على انتهاكات السلطة حقوق الإنسان، في عهدي بورقيبة وبن علي، تهتف بهذا البيت وتعيده عشرت المرّات، حتى جاءت الثورة في خواتيم عام 2010، فكان "الشعب يريد" من أنبل الشعارات وأكثرها تحفيزاً وتصميماً، كأن التونسيين يكتشفون بيت الشابي من جديد، وهو الذي سكن نشيدهم الوطني، وظل حاضراً في هتافات المتظاهرين وصرخات المحتجّين وأنّات المعذبين. "الشعب يريد" ونضيف إليه ما نشاء: الشعب يريد إسقاط النظام، الشعب يريد دستور، الشعب يريد الديموقراطية.. إلخ.

اختفى تقريباً شعار "الشعب يريد"، أو تناسيناه، حتى تسلّلت الشعبوية من شقوق إخفاقات النخب

كانت إرادة الشعب شعاراً أخّاذاً مرعباً في تونس يمنح الناس قوة وعزيمة، حتى أزاحت نظاماً استبدادياً، غير أننا خلنا أن هذه الإرادة، وهي تحقّق تدريجياً دولة القانون وعلوية الدستور، قد سكنت ووجدت تعبيرها الأوفى في صناديق الاقتراع والفضاء العمومي، وقد تحرّر لينظّم كل أنواع الحركات الاحتجاجية وأشكال تعبيرها، حتى تلك الأكثر صخباً ودوّياً. وظل شعار "الشعب يريد" يتجوّل في ليبيا، مصر، سورية، اليمن، إسبانيا.. إلخ.
اختفى تقريباً ذلك الشعار، أو تناسيناه، حتى تسلّلت الشعبوية من شقوق إخفاقات النخب التي أهملت استحقاقات الناس الاقتصادية والاجتماعية، تحت نشوة الحرية التي لم تعد تعني كثيراً لدى جموع المهمشين والمفقرين. انتعشت الشعبوية، غير أن النخب السياسية والحزبية لم تقدّر ذلك حق قدره، وهي التي ظلّت منشغلةً بصراعاتها العبثية.
لم يصدّق الناس أن الرئيس قيس سعيّد، وهو في أوج حملته الانتخابية سنة 2019، ظل يردّد معزولاً "الشعب يريد"، من دون أن يضيف أي تفصيل. يسأله الصحافيون آنذاك عن المقصود، فيجيب بأن "الشعب يريد ما يريد. اذهبوا إلى الشعب سيجيبكم عما يريد"... أحاجٍ وألغاز يُعاد تلبيسها، حتى تظل العبارة عمْداً حمّالة أوجه، تقيه، في الوقت نفسه، من داء التورّط في إعطائها معنى ما.

في حمّى شعار "الشعب يريد" الذي يرفعه حالياً أنصار سعيّد، تحوّل هذا الشعار ذاته إلى شعار شمولي كاسح ومخيف

نعلم حالياً أن عبارة "الشعب يريد"، خارج شحنة التعبئة التي تمتلكها، أخّاذة وملتبسة، بل تحوّلت إلى آفةٍ تمحو كل ما يعترضها أو يعارضها: بشر ورموز وإرادات مختلفة.. إلخ. ثمّة انزياحات خطيرة حصلت، إلى حد أن بعضهم يبدي ندماً شديداً على هتافه ذات يوم "الشعب يريد"، وقد وجد نفسَه ضحية هذا الشعار.
في حمّى شعار "الشعب يريد" الذي يرفعه حالياً أنصار سعيّد، تحوّل هذا الشعار ذاته إلى شعار شمولي كاسح ومخيف. الشعب يريد محاربة الفساد، الشعب يريد حلّ الأحزاب، الشعب يريد غلق المنظمات والجمعيات، الشعب يريد حلّ البرلمان، الشعب يريد... ربما سنستمع إلى أكثر الفرضيات غرابة: الشعب يريد تغيير العملة، الشعب يريد تعليق عضويتنا في الأمم المتحدة، وحتى إبدال لون السماء ورائحة البحر.
كيف يعبر هدا الشعب عن إرادته؟ سؤال لا يجيب عنه الرئيس التونسي، ولا منظّرون بدأوا يطّلون علينا عبر شاشات الإعلام، بماركسيةٍ طفوليةٍ مع نزعةٍ فوضوية، وكثير من النزعة الخلاصية. لا ندري كيف يعبّر الشعب عن إرادته باستثناء الاستفتاء وصناديق الاقتراع، غير أن الرئيس، وهو الذي يعتقد أن إرادته هي إرادة الشعب والعكس صحيح. يستشهد بتحرّكات الشارع، ويراها تعبيراً بليغاً عن إرادة الشعب، خصوصاً إذا أنصتنا إلى "زغاريد ورقصات الشيوخ"، كما قال أخيراً وهو مزهوٌّ بتحرّكات مناصريه الذين فاتوا (تجاوزا) مليوناً وثمانمائة ألف، حسب تقديره، قبل أن تحذف الرئاسة هذا الخطأ الفادح من صفحتها الرسمية في "فيسبوك".