كيف عاش الوطن في قلب رجل؟
(نبيل عناني)
اليومَ أجلسُ وحيدةً في غربتي، وأبكي رحيلَ عمّي غريباً في بلدٍ آخر؛ غربتي التي لم أكن أتخيّل أن أصيرَ إليها. لم أكن أعرف أنَّ التاريخَ سوف يكرّر لعبتَه السخيفة، وينتزعني من غزّة الحبيبة، كما فعل مع أشقّاء أبي وشقيقاته في 1967؛ إذ عاد إلى غزّة بمعجزة، ولم يتمكّن الباقون من العودة، فأُطلق عليهم اسم "النازحين". وكنتُ صغيرةً لا أعرف معنى هذه الكلمة، حتى عرفتُ التاريخَ من بين حكايا جدّي حول الموقد، ومن بين تنهّدات أبي كلّما بحث عن بعض الراحة بعد عناء العمل.
أمّا عمّي الأكبر، الذي طوته بلادُ الخليج باكراً بعد النزوح القسري إلى مصر، إذ كانت بلاد الخليج وقتها تستقطب الكفاءات الفلسطينية، وكان عمّي خرّيجَ قسم اللغة العربية، فالتحق بالعمل مدرّساً في إحدى دولها. وكلّما أرسل لنا رسالةً طويلةً بخطّه الجميل المنمّق، كنتُ أقرأ التاريخَ من بين السطور؛ فبعد التحية لوالدَيه كان يبدأ في سرد الذكريات المضحكة والمبكية علينا جميعاً.
كنتُ أنتظر رسائله الورقية، وما إن يقرأ أبي الرسالة حتى أطير بها إلى فراش جدّتي العجوز "تمام"، ملوّحةً بها، وقلبي يتقافز في صدري، وأبدأ في القراءة المتمهّلة وبصوتٍ مرتفع. وكنتُ أتوقّف لأشرح بعض كلماتٍ خطّها عمّي بلغةٍ عربيةٍ بليغة لجدّتي؛ لأنني كنتُ أعرف أنّها لن تفهمها. وكانت تهزّ رأسها الجميل برضا وفخر، وتردّد أنّ ابنها فصيحُ اللسان، غزيرُ اللغة منذ نعومة أظافره.
مرّت السنوات، ورحلت جدّتي، وتطوّرت وسائل التواصل مع النازحين الأحبّة، وبدأ الهاتف يأخذ دوره وسيلةَ تواصل جديدةً وسريعة، بديلاً عن الرسائل. وما إن يرنّ الهاتف حتى يأتي صوت عمّي المميّز المحبّب، ويبدأ في محادثتي أوّلاً؛ لأنني أكون أوّل من يطير للردّ على الهاتف، وكأنّه كان ينتظر أن يجيب أحدُ الصغار ليُوصيه بالتشبّث بالأرض، ويحدّثه عن بيت المخيّم الذي كان من ثماني غرف، إلى درجة أنّ جدّي قرّر أن يبيع نصفَه؛ لأنّ جنود الاحتلال، كلّما فتّشوا منازل المخيّم بحثاً عن المقاومين، يتلاعب بهم الشكّ، إذ لا يحوي البيت الواسع سوى أفرادٍ قليلين لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة، وهم لا يعرفون أنّ أهل البيت قد اضطرّوا للنزوح القسري بعد احتلال جيشهم النازي كاملَ القطاع، إذ جاءت الحافلات ذات صباح، وحملت الشباب من بيوتهم، وتركت النساءَ والأطفالَ وكبارَ السنّ.
وهكذا رحل عمّي عن البيت الواسع، الذي لم يفارق مخيّلته حتّى آخر أنفاسه، فظلّ يوصي به، وينادي على حجراته وباحاته الواسعة، وشجرة الليمون العجوز التي تتوسّطه، وكأنّه أمٌّ تنادي طفلها التائه في السوق، فيبحّ صوتها حتى تعثر عليه. وهكذا ظلّ عمّي ينادي البيت مثل أمٍّ ملتاعة، ويحدّث الجميع عنه كي لا ينسوه.
لم يتوقّف عمّي أبو ياسر عن أداء الرسالة، وكأنّه يشعر أنّ من واجبه أن يحفظ ذاكرة الوطن؛ فكان يجمع الأبناء والأحفاد من حوله في الغربة في كلّ مناسبة، ولا يحلو له الحديث إلّا بسرد ذكريات الوطن الغائب الحاضر. وقد استطاع فعلاً أن يشدّ الصغيرَ قبل الكبير، إلى درجة أنّ خيالهم جميعاً كان يطير معه نحو "قِطّ" العائلة الأوّل في بيت اللجوء بعد النكبة، وذكريات المخيّم من فرن الحارة إلى سوق الحبوب، وهو أقدم أسواق مدينة خانيونس، ومدرسته الثانوية التي عمل بها مدرّساً للغة العربية، وتلاميذه النجباء الذين فرّقتهم الغربة مثله بسبب ملاحقة الاحتلال لهم واضطهادهم والتنكيل بهم فوق أرضهم.
في السنوات الأخيرة، وبعد وفاة أبي وانتقال هاتفه لأحد إخوتي، لم يتوقّف عمّي عن التواصل معنا، وعن تذكيرنا (ودموعه لا تخفى في صوته) بالبيت القديم والمخيّم، وأنّه يحلم بالعودة. حتى إذا ما نال منه المرض ولم يعد يتّصل بنا، ظلّ في فراشه ينادي والدَيه، وينادي وطناً ضائعاً كان له فيه بيتٌ جميل بثماني غرف، "يكيد العِدا ويَسُرّ الناظرين".