كيف حوّلت إيرانُ العدوان الإسرائيلي الأميركي مشروعَ هيمنة إقليمية؟

31 يوليو 2026

بحسب عنتريات النظام الإيراني تجاه "الشيطان الأكبر" والعدو الصهيوني وشعار "العين بالعين"، كان من المتوقّع أن توجّه إيران أوّل ضربة لإسرائيل، المحرّك الرئيس للعدوان الذي أطلقت شرارته باغتيالها آية الله خامنئي وكبار القادة الإيرانيين. وكان من المتوقّع أيضاً أن تردّ طهران أوّلاً على القوات الأميركية المرابضة قرب سواحلها. تفادت طهران الردّ بالمثل على الأطراف المُعتدية، لتشنّ عدواناً محكمَ التخطيط على دول الخليج العربي والأردن، وغير مسبوق.

ذهبت جلّ التحليلات إلى ربط الردّ الإيراني بضرب مصداقية واشنطن في المنطقة من خلال إبراز عجزها عن حماية قواعدها وحلفائها. وذهب رأي آخر إلى أنّ الهجوم على دول الخليج جاء في إطار تصعيد أفقي يهدف إلى تحويل هذه البلدان إلى ورقة ضغط على واشنطن من خلال تحميلها التداعيات الأمنية والاقتصادية للحرب، بينما يرى آخرون أنّ هدف العدوان إرغام المنطقة على تقاسم الدمار والخسائر، عملاً بمنطق "عليَّ وعلى أعدائي".

تفسيرات لها ما يبرّرها، لكنّها ربّما لا تلامس المعادلة الرئيسة في الاستراتيجية الإيرانية التي تقوم على تحويل العجز العسكري عن مواجهة مباشرة مع أميركا وإسرائيل إلى نفوذ إقليمي بنقل المواجهة من ساحة تفتقر فيها إلى التفوّق العسكري إلى ساحات تتيح لها استعراض قوّتها العسكرية. هكذا وظّفت طهران الحرب لشنّ مواجهة موازية ضدّ دول الخليج، ليس لإرباك خصومها ورفع كلفة الصراع فقط، بل أيضاً لترسيخ مكانتها قوّةً إقليميةً مهيمنةً وفرض معادلة جديدة تجعل أمن الخليج واستقراره رهينة لقدرتها على التصعيد.

وظّفت طهران الحرب لشنّ مواجهة موازية ضدّ دول الخليج، ليس لإرباك خصومها ورفع كلفة الصراع فقط، بل أيضاً لترسيخ مكانتها قوّةً إقليميةً مهيمنةً

يعود العجز الإيراني أساساً إلى إدراك طهران كلفة استهداف القوات الأميركية، في ظلّ تحذيرات واشنطن الصارمة من أيّ هجوم على جنودها أو أصولها العسكرية، فقد عزّزت الولايات المتحدة وجودها في المنطقة بحاملتَي طائرات تعملان بالطاقة النووية، مدعومتَين بمدمّرات وطرّادات وغوّاصات، إلى جانب شبكات دفاع جوي متطوّرة للغاية، لم تتمكّن إيران من اختراقها، رغم محاولات محدودة. وقد شكّل انهزام إيران في مواجهتها المباشرة مع الجيش الأميركي، في 18 إبريل/ نيسان 1988، نقطة تحوّل في عقيدتها العسكرية، إذ أصبحت تتجنّب الدخول في حروب مفتوحة مع قوى تتفوّق عليها عسكرياً (أميركا وإسرائيل تحديداً). وبدلاً من هذا، اعتمدت استراتيجية المواجهة غير المباشرة عبر حلفاء ووكلاء إقليميين عرب، تحوّلوا تدريجياً إلى حَطَب في حلقة نار إيرانية أحرقت كلّاً من لبنان وسورية والعراق واليمن.

خدعت طهران وكلاءها العرب، وفي مقدّمتهم حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بتبنيها استراتيجية "وحدة الساحات"، زاعمةً أنّ أيّ اعتداء على أيٍّ من أطراف "محور المقاومة" يمثّل اعتداءً على جميع أطرافه، ويستوجب تنسيق ردٍّ جماعي. لكنّ عملية طوفان الأقصى خرجت عن "السكريبت" الإيراني، وفضحت زيف المقاومة الايرانية. فخلال نحو عامَين، اكتفى النظام في طهران بموقف المتفرّج على الإبادة الصهيونية في غزّة وما ترتّب عليها من استباحة إسرائيل كلّاً من لبنان وسورية، إذ لم يطلق رصاصةً واحدةً في تجاه العدو الصهيوني، وترك وكلاءه العرب عرضةً لتوحّشه، ما وصفه مروان قبلان بـ"خطأ إيران القاتل" ("خطأ إيران القاتل"، "العربي الجديد"، 1/4/2026)، في إشارة إلى أنّ إحجامها عن التدخّل المباشر للدفاع عن حلفائها هو بالذات ما أفضى إلى انتقال المواجهة تدريجياً إلى أراضيها، بعدما فقدت خطوط دفاعها المتقدّمة.

إيران لا تخوض حرباً من أجل البقاء فقط، بل من أجل السيطرة على الخليج وممراته المائية

اليوم، تمضي إيران خطوةً عملاقةً إلى الأمام، وتخوض حرباً حوّلت أميركا وإسرائيل إلى أهداف ثانوية في الميدان مقارنةً بدول الخليج العربي التي وضعتها طهران في مرمى نيرانها منذ الدقائق الأولى التالية للعدوان الإسرائيلي الأميركي. وسجّل الأسبوع الأول قصف دول الخليج العربي بأضعاف عدد الطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران في اتجاه إسرائيل، وبسيل من الصواريخ الباليستية. وفي الجولة الثانية من هذه الحرب، التي أشعلتها للحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز، واصلت إيران تجنّب مهاجمة الأسطول البحري الأميركي، مع إبقاء إسرائيل (تنتشر طائرات أميركية في أراضيها وتتزوّد بالوقود من مطار بن غوريون) خارج حربها ضدّ العرب.

يتساءل الجميع: لماذا تضرب إيران الخليج بدلاً من إسرائيل؟ لقد اتّضح أنّ الحرب التي يخوضها نظام الملالي اليوم هي حرب هيمنة إقليمية ألبسها قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، ثوب المقاومة عند إعلانه أنّه من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، ستقيم إيران "حزاماً أمنياً جديداً للمقاومة". وإيران لا تخوض حرباً من أجل البقاء فقط، بل من أجل السيطرة على الخليج وممراته المائية، إدراكاً منها أنّ "من يسيطر على البحر يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على تجارة العالم يسيطر على ثرواته، ومن ثمّ يسيطر على العالم نفسه"، على حدّ قول الإنكليزي السير والتر رالي.

غذّى النظام الإيراني كراهية العرب الضاربة في جذور العلاقة بين الفرس والعرب، ولم يخفِ عداءه لدول الخليج تحديداً لعجزه عن اختراقها

منذ بداية حربها الشاملة على الخليج، عملت طهران لمحاصرة مضيق هرمز، وتعطيل الموانئ والمطارات الرئيسة في دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، وتعطيل منشآت الغاز الطبيعي المسال، ومصافي تكرير النفط، ومحطّات تخزين الوقود، ومسارات ناقلات النفط. مشروع الهيمنة الإيرانية يشمل أيضاً تعطيل المسارات البديلة التي طوّرتها السعودية والإمارات لضمان تدفّق ملايين براميل النفط إلى السوق الدولية عبر الالتفاف على إغلاق مضيق هرمز، إذ قصفت إيران خطّ أنابيب حبشان– الفجيرة الإماراتي ومحيط ميناء الفجيرة النفطي، وتولّت جماعة الحوثي أخيراً مهمّة تعطيل خطّ أنابيب الشرق –الغرب المؤدّي إلى ميناء ينبع السعودي في البحر الأحمر بفرضها حصاراً بحرياً على السعودية عزّزته بقصف ناقلات نفط سعودية ومنشآت تابعة لشركة أرامكو في جيزان وينبع.

ما تستهدفه إيران في الواقع هو نموذج التنمية الخليجي الذي مكّن دولاً في مجلس التعاون من توظيف ثرواتها الهيدروكربونية لبناء اقتصادات متنوّعة تسعى إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي استعداداً لمرحلة ما بعد النفط، اقتصادات قائمة على التكنولوجيا، ومشاريع عملاقة، وصناديق الثروة السيادية، وبنية تحتية استراتيجية. خلال العقد الماضي، أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي رمزاً للتحديث الاقتصادي، والنفوذ المالي، والنشاط الدبلوماسي، وسياسات التنويع الاقتصادي المنفتح على العالم، حوّلتها إلى وجهة عالمية للاستثمار والسياحة ولكُبرى الأحداث الرياضية. أحدث هذا النموذج القائم على الأمن والاستقرار لدى إيران حالةً من انعدام الأمن المرتبط بوضعها قوّةً إقليميةً تعيش عزلةً دبلوماسية، حبيسة مآلات ثورتها العدوانية، ومشروع نووي جرّ عليها عقوبات غربية قاسية وطويلة الأمد، سبّبت ركوداً اقتصادياً أصبح يهدّد بقاء النظام.

مشروع الهيمنة الإيرانية يشمل تعطيل المسارات البديلة التي طوّرتها السعودية والإمارات لضمان تدفق براميل النفط إلى السوق الدولية عبر الالتفاف على إغلاق هرمز

لعقود، غذّى النظام الإيراني كراهية العرب الضاربة في جذور العلاقة بين الفرس والعرب، ولم يخفِ عداءه لدول الخليج تحديداً لعجزه عن اختراقها، وقد عزّزت هُويّتها وحصّنت مجتمعاتها ضدّ أيديولوجيا مشروع الملالي. ثمّ جاء العدوان الأميركي– الإسرائيلي الذي وجدت فيه فرصةً لتوجيه ضربة لهذه الدول، العائق الرئيس لطموحها الإقليمي. نجحت إيران نسبياً ومؤقّتاً في تعطيل صادرات الطاقة وحركة النقل والخدمات اللوجستية، ورفع تكاليف التأمين والشحن، وإرباك أسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن ضرب صورة دول الخليج بوصفها بيئةً آمنةً للاستثمار والأعمال.

ليست خطورة المشروع الإيراني فقط في حجم الدمار الذي ألحقه بالمنطقة، بل في سعيه إلى تحويل العدوان الأميركي–الإسرائيلي إلى أداة لإعادة هندسة النظام الإقليمي، عبر ضرب النموذج الخليجي وفرض معادلة جديدة تربط أمن المنطقة واقتصادها بقدرة طهران على استخدام القوّة. ومن ثمّ، لا تتمثّل الاستجابة الأكثر فاعلية في أن تموّل دول الخليج إعادة بناء ما دمّره العدوان في إيران، بل في منع تحوّل القوة العسكرية الإيرانية إلى وسيلة لانتزاع النفوذ وفرض واقع إقليمي جديد.

أمّا واشنطن، فيبدو أنّها غير مدركة (أو غير مكترثة) أنّها قد تكون بصدد تكرار سيناريو كارثة حرب العراق التي انتهت بتمكين إيران من توسيع نفوذها، في العراق أوّلاً، ثمّ في لبنان وسورية، وصولاً إلى اليمن.

D3DB8A51-4A38-4CFE-8FF7-F3890E6C424F
D3DB8A51-4A38-4CFE-8FF7-F3890E6C424F
عائشة البصري
كاتبة وإعلامية مغربية، ناطقة سابقة باسم بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور وحائزة على جائزة رايدنهاور الأمريكية لكاشفي الحقيقة لسنة 2015.
عائشة البصري