كيف توقف فرنسا المقاطعة الاقتصادية؟

24 نوفمبر 2020
الصورة

دعوة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية في متجر في جاوة الشرقية بأندونيسيا (4/11/2020/الأناضول)

+ الخط -

هل انتهت مبرّرات الحملة التي أعلنتها الأوساط الشعبية الإسلامية ضد المنتجات والشركات الفرنسية؟ كلا..
ليس الأمر كذلك، والمركز الرئيسي لهذا الحديث يقوم على أن الموقف من مقاطعة المنتجات والأسواق الفرنسية هو اليوم حركة احتجاج، كحقٍ مشروع لكل من يشعر بأن هذه الدولة أو تلك قد أساءت له ولمعتقداته ولكرامته الشخصية، أكان مسلماً أم غير مسلم. وفي الحالة الإسلامية الإساءة بالغة، مسّت ضمير المسلمين الجمعي واستفزّته، بوسائط كراهيةٍ حقيرة، تحت تشجيع رئيس الدولة ومؤسساتها. وهذا لا يُبرّر، لا اليوم ولا الغد، أي أعمال عنفٍ وإرهاب، يقوم بها مسلمون، وإن تساهم هذه التوترات في خلق مسرح العنف ضد الجميع، والضحايا المدنيين من كل الديانات القوميات. فإذن، قبل الحديث عن جدوى المقاطعة، في مآلاتها الاقتصادية الكبرى، هي حق ضمير مطلق للإنسان المسلم. والمشكلة الأخرى اليوم أن باريس لم تصحّح موقفها، والأكثر تعقيداً، وهو مسؤولية العقل الفرنسي في الإليزيه وفي الدولة، عدم فتح مسارات حوار ضرورية، لتحرير موضع الخلاف، خصوصا في الزعم بأن القضية هي حرية تعبير، وهذا غير صحيح، قضية المسلمين هنا هي في إساءة التعبير، ونقض حق الضمير، وليس في حرية التعبير.
وإدانة منظمة العفو الدولية أخيرا التشريعات الفرنسية وازدواجيتها، والتي تُدعم من الرئيس الفرنسي والحكومة، قامت على مقياس بسيط، تشريعات فرنسية تُجرّم أو تُدين أو تحذّر من السخرية بشخصيات دولة، أو غيرهم، في الوقت نفسه تَدعم، بتواتر، ممارسات السخرية والمشاتمة للإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم. وليس صحيحاً أبداً أن بقية الأديان والثقافات تتعرض للمستوى نفسه من الكراهية والتحريض، فهناك حملة ممنهجة، من الحراك الثقافي والإعلامي الفرنسي، تركّز على الإسلام والمسلمين، وإنْ صدرت سخريات أخرى، وهي مرفوضة بالنسبة لنا، أكانت موجهة لدينٍ سماوي، أو أتباع ديانة وثقافة تقليدية تراثية أخرى.

باريس لم تصحّح موقفها، فالعقل الفرنسي في الإليزيه، وفي الدولة، لم يفتح مسارات حوار ضرورية، لتحرير موضع الخلاف

حسناً، هنا مفصل مهم للحديث، فمحاولات الرئيس والمسؤولين الفرنسيين لوقف حملة المقاطعة لا تقوم على توازن الضرورات، هذا فضلاً عن الحملة الغربية على بعض الحقوق المدنية للمسلمين، خصوصا في فرنسا. وهذا لا يعني ألا يكون المواطنون المسلمون، أو المهاجرون المقيمون، قد تحصّلوا سابقاً على فُرص حقوقية ومواطنة، أقرّتها الدساتير الغربية، ضمن أوجه النجاح للدولة المدنية في الغرب، والتي لا تُنكر، من دون أن تزكّى التجربة بالمطلق. وعليه، يرد سؤال آخر، هل مهمة حاضر العالم الإسلامي اليوم مواصلة الهبة الشعبية إلى ما لا نهاية ضد فرنسا؟
لا يوجد شك في أن الإرث الاستعماري لفرنسا غزيرٌ في جراحه في ضمير المسلمين، عبر مذابحه التاريخية، أو تدخلاته المعاصرة. وهذا أيضاً لا يُعفي المسلمين من حالة التخلف التي ضربت الشرق، وسلبتهم شروط النهضة التي لعب الاستبداد العربي دوراً مركزياً في تقويضها، وهنا باريس أمام محطة قرار مهم لها، إذا كانت جادّة في وقف هذه الحملة، بشروطها الأخلاقية والسياسية معاً، فما تخشى منه باريس تحوّل الموجة إلى مشاعر ضمير تتزايد بين المسلمين، فتُمثّل جداراً بينهم وبين المصالح التجارية الفرنسية، حتى وإنْ لم تستمر المقاطعة بزخمها، وهذا أرضيته موجودة، لكن في عالم المصالح حتى بين الأمم، هناك مساحة تدافع وتشارك. وبالتالي، سيتعامل أبرز قادة الرأي بين المسلمين مع التغير الإيجابي لفرنسا بانفتاح، شريطة أن يكون تغيراً حيوياً واضحاً، والبوابة هنا عالمية، ووطنية، في فرنسا، وأهمها صدور تشريعات ودعوات، توقف حركة السخرية الممنهجة ضد الإسلام والرسول، في الفضاء العام الذي هو تحت مسؤولية الدولة، فهي سخرية سلوكٍ جارح، وليست آراء في منتديات الحوار للثقافة الفرنسية، حيث أضحت بيئة عدائية متحفزة ضد الإسلام.

التشريعات الفرنسية تُجرّم أو تُدين أو تحذّر من السخرية بشخصيات دولة، وتَدعم ممارسات السخرية والمشاتمة للإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم 

ولن يطلب أحد إقناع اليمين أو الكارهين للرسالة وأتباعها، بالتلطف في آرائهم، وإنما في احترام الضمير العام للمسلمين، وهي مواقف أدركها مسؤولون غربيون بعد كارثة باريس ضد المسلمين، ونأوا بأنفسهم عن هذه الحفرة الخطيرة لإذكاء الكراهية، على الرغم من أن بلدانهم تعرّضت لعمليات عنفٍ مدانة، وهو بالضبط عكس ما قام به الرئيس الفرنسي، فهذا التصحيح مسؤولية باريس.
الأمر الثاني التفات فرنسا إلى حقوق شعبها، من مواطنيها المسلمين والمقيمين، ووقف حملة الإسلاموفوبيا عليهم التي أضحت الدولة شريكاً رسمياً فيها أخيرا، بعد أن حظرت المؤسسات المدنية الحقوقية المقاومة لعنصريتها، حينها يكون هنا بابٌ واضحٌ لكي تصلح باريس طريق التواصل الذي دمرته. وهو تواصل في الضفة الأخرى للمسلمين، وحركة الرأي ودعاة التعايش الإنساني في الفكر الإسلامي، والعلماني العربي المعتدل، يحتاج إلى جهود ذاتية.

لن يطلب أحد إقناع اليمين أو الكارهين للرسالة وأتباعها، بالتلطف في آرائهم، وإنما في احترام الضمير العام للمسلمين

وصحيح أن ذلك يتطلب منابر تمتلكها دول، غير أن ذلك لا يمنع أن نسعى إلى المرابطة في إعادة التأسيس الفكري الحضاري، للوطن العربي وحاضر العالم الإسلامي، ونُنمي مشاعر الوعي والعمل المشترك، للتفاهمات الأخلاقية العالمية، وقبل ذلك رسالة الأخلاق في داخل مجتمعاتنا المنكوبة، بتخلف قيمي خطير، لن تُصلحه مقاطعة الغرب ولا ملاعنته، فالعودة دوماً إلى مفاهيم صناعة الجسور الحضارية، وصناعة الذات العربية أخلاقياً، وانتزاعها من كارثة العنصريات المتعدّدة، واجب ذاتي. واليوم هناك طلائع شبابية واسعة تبحث عن الطريق الثالث، بين سؤال الروح والأخلاق والعمران المدني، والدولة الحقوقية المعاصرة، يمكننا عبره إيجاد ميثاق مشترك بين الجميع، لأجل تجنّب حُفر الصراعات الدموية والسياسية التي استغلها المستبدّون العرب، في ضرب الربيع العربي، وإسقاط مقدماته.
ومن دون أن يكون المثقف العربي قدوة لهذه الثقافة ونهضتها، محافظاً على أساسيات أخلاقية في ميدان الفكر والسلوك المتعامل مع المختلف في بيئته، فلن تُصنع منصّات إرشاد قيمية، هي بذاتها إحدى شروط النهضة العربية، نهضة تجمعنا مع حاضر العالم الإسلامي وأمم الشرق، فوق قاعدة التضامن القيمي التي يحترمها الغرب، مختاراً أو مضطرّاً أمام الشرق الجديد.