كيف تصنع الشاورما من لحم وزير إعلام

21 أكتوبر 2020
الصورة

أسامة هيكل في مؤتمر صحفي في القاهرة (16/6/2020/فرانس برس)

+ الخط -

ليس السؤال الأهم هو: من الذي يحرّك الأذرع الصغيرة لالتهام الذراع الكبير، ومصدر القصف العنيف على وزير الإعلام المصري، إلى حد اتهامه بالخيانة والتأخون. السؤال الأخطر هو: من يحكم مصر الآن؟

نظريًا، الجنرال عبد الفتاح السيسي هو الحاكم، غير أن إمعان النظر في تفاصيل المشهد تشير إلى أن أحدًا لا يحكم، وأن الأمر يبدو وكأن مجموعة من القراصنة يتعاركون على ظهر سفينةٍ تبحر على غير هدًى ومن دون بوصلة.

أسامة هيكل، وزير إعلام السيسي، ومن قبل ذلك وزير إعلام المجلس العسكري، ليس مجرد صحافي من جريدة حزب الليبرالي، وليس، فقط، ذلك المحرّر العسكري منذ نعومة أظفاره، بل هو قبل ذلك وبعده جنرال من الجنرالات، وإنْ لم يحمل رتبة عسكرية كبيرة، فالثابت أنه أكثر عسكريةً من العسكريين أنفسهم، وأكثر حنقًا على المدنيين والثوار من أشد الضباط ضيقًا بالثورة.

الأهم من ذلك أنه والسيسي بطلا مذبحة ماسبيرو الشهيرة في خريف العام 2011 كانا يديران المقتلة، معًا، حيث كان السيسي على الأرض، في الطابق الأرضي من مبنى الإذاعة والتلفزيون الشهير، يشرف على أعمال القتل والقنص والدهس وإلقاء جثث المتظاهرين الأقباط في النيل، بينما كان أسامة هيكل، أو جنرال ماسبيرو، كما وصفتُه في ذلك الوقت، يدير الحرب الإعلامية من الأدوار العليا، ويستهدف دماغ المتلقي برواياتٍ مكذوبةٍ للجريمة، تتناول الضحايا من الأقباط المتظاهرين على أنهم الجناة الذين يعتدون على الجيش والشرطة والمواطنين.

 في تفاصيل حفلة الشواء المنصوبة حاليًا، يبدو وزير الإعلام معلقًا مثل لحم الشاورما، فيما يتحلق حوله مجموعة من الممسكين بالسكاكين يقطعونه شرائح في هدوء، بينما على الأرض كثير من القطط الجائعة تلتقط ما يتساقط.

يقال كلام كثير عن أن جناحيْن يتصارعان في دائرة المخابرات التي تقوم بتشغيل إعلام عبد الفتاح السيسي، وأن الصراع دخل في مراحل نهش اللحم وطحن العظم، إلى الحد الذي فقد معه جنرال ماسبيرو السيطرة على ماسبيرو، فخرج مذيع في القناة الأولى الرسمية يتهم وزير الإعلامي العسكرية بأنه بوق من أبواق الإخوان المسلمين، ويذيع له مكالمة مسرّبة من العام 2012 ليثبت للمشاهدين أن الوزير  يدار بالتليفون، ويُستخدم في معارك شخصية منذ زمن.

القصة، على هذا النحو المفرط في عبثيته، لا يمكن أن تكون صراعًا بين وزير إعلام ومجموعة إعلاميين، ففي بلدٍ من المفترض أنه واقع في قبضة ديكتاتور واحد، يهيمن على كل شيء من الجيش إلى الإعلام، لا يمكن أن يتجاسر فريقان من الحاشية على إشعال صراعٍ بهذه الضراوة، كما لا يمكن تصوّر أن هذا النوع من الخناقات يمكن أن يبدأ بتعليماتٍ من النظام، الذي هو ذلك الجنرال الفرد الأحد، كما لا يمكن توقع أنه يعود عليه بفائدة من أي نوع.

هذا يأخذنا مرة أخرى إلى السؤال المهم: هل عبد الفتاح السيسي مسيطر فعلًا؟ على أن هذا السؤال يسبقه سؤال آخر: أسامة هيكل وزير إعلام المجلس العسكري، وقت أن كان السيسي مديرًا للمخابرات الحربية، ثم بعد أن صار السيسي الحاكم الفرد المستبد، هل هو في هذا المكان بقوة السيسي، أم بقوة الجيش؟  الشاهد أن هيكل تم استوزاره في المرة الأولى لحقيبة الإعلام، قبل أن يتذوّق السيسي طعم المنصب الوزاري، إذ كان الأول وزيرًا، وقت أن كان الثاني مدير مخابراتٍ تحت قيادة وزير الدفاع حسين طنطاوي، لكن ما تبين بعد ذلك أن سلطة السيسي، مدير المخابرات الحربية، كانت أقوى من سلطة وزير الدفاع العجوز.

المرة الثانية التي تولى فيها أسامة هيكل منصب وزير الإعلام كانت بعد أن سيطر عبد الفتاح السيسي على كل السلطات، عسكرية وسياسية وتشريعية، وبالتالي فهو اختيار السيسي ورجله، في المرتين، لأنه لا يستقيم منطقيًا أن يعيد اختياره للموقع ذاته، لو كان وجوده فيه على غير رغبته في المرة الأولى، وبصيغة أخرى: هو كان ولا يزال رجل السيسي قبل أن يكون رجل المؤسسة العسكرية، القديمة، والتي تخلص السيسي من رموزها المعروفين منذ العام 2011 واحدًا وراء الآخر، فغاب الحرس القديم في الدولة العسكرية، محمود حجازي وصدقي صبحي ومحمد العصار  وممدوح شاهين وسامي عنان وآخرون، ليصعد محمود السيسي وأقرانه، وتدخل مصر، مبكرًا للغاية، مرحلةً من الصراع، تشبه كثيرًا مرحلة صراع الحرس القديم والحرس الجديد، في الأيام الأخيرة من شيخوخة نظام حسني مبارك، عندما كان الابن أكثر حضورًا من الأب.

في المجمل، لا يمكن بأي حال النظر إلى الحريق المشتعل على ظهر السفينة العمياء باعتباره دليلًا على سيطرة أيٍّ من الأطراف على كابينة القيادة، بصرف النظر عمن يبقى على السطح، ومن يتم إلقاؤه وليمةً للقروش والحيتان في أعماق البحر.