كيف تسقط من طائرة؟

كيف تسقط من طائرة؟

21 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

في السياسة والتحليل، تستطيع أن تناقش قدر الإمكان، وقد تُخطئ وتُصيب، لكن في نهاية كل قصةٍ ستبقى صورتك التحليلية ناقصة، دائماً سيظلّ هناك تفصيلٌ لم تتمكّن من فهمه ولن تتمكّن من ذلك، مرتبط بالفعل البشري العفوي الذي يمزج بين الوعي والغريزة، ويُطيح كل مسار عقلاني أو واضح المعالم بالنسبة إليك، وفقاً لسير الأمور أو منهجية منطقية. في أفغانستان "مقبرة الإمبراطوريات"، لم تختلف الأمور عند دخول حركة طالبان العاصمة كابول يوم الأحد الماضي. في السياسة، أُثيرت تحليلات شتى، بشأن مسبّبات ذلك ومآله ومستقبل البلاد والحركة معاً، وصولاً إلى انعكاس سيطرة "طالبان" على طريق الحرير الصيني واستقرار آسيا الوسطى.

وسط هذا كلّه، تتجه أنظارك إلى مطار حامد كرزاي الدولي في كابول. استُعيد زخم الذاكرة بغية إجراء مقارنةٍ بين الطائرات الأميركية الهاربة من سايغون في فيتنام عام 1975 وأفغانستان. يُمكن دائماً خلال عقد المقارنات التفكير بمدى تقدم الإعلام وسهولة انتشاره. في سايغون، لم تكن الكاميرات كافيةً لنقل ما يحدُث، ولم يدرك العالم حقيقة ما يجري إلا بعد فترة، بل كان هناك نقصٌ إعلاميٌّ سيبقى حتى نهاية التاريخ. في كابول، كان الساعون إلى الهروب من أفغانستان، المتجمّعون في المطار، يحملون هواتفهم، ويصوّرون كل تفصيل في أثناء محاولتهم الفرار.

هنا، يتجلّى الرعب بكامل تفاصيله. أشخاصٌ يسعون، بكل ما في وسعهم، إلى ركوب الطائرات للفرار. يتعلقون بعجلات طائرة عسكرية أميركية، ثم يتهاوون من علٍ كمن فقد القدرة على التشبث بالطائرة وخرجت الأمور من تحت سيطرته. ربما، يُمكن للحظة ترك كل "الأمور الاستراتيجية" جانباً، وتصبّ تفكيرك على مشهد سقوط بشرٍ من السماء. سيُقال، على سبيل الشماتة أو قلة الإدراك، إن هؤلاء هم "عملاء أميركا من الأفغان"، غير أنك تُدرك، في قرارة نفسك، أن "العملاء" أو "المتعاونين" يتمّ الاهتمام بوضعهم، ودراسة توطينهم في دول عدة.

ما الذي يدفع شخصاً إلى تسلّق الطائرة للفرار من حكمٍ ما؟ ليس بالضرورة أن يكون الفرار مرتبطا بالحكم، فاللجوء الأفغاني معروفٌ منذ انقلاب محمد داود خان على الملك  ظاهر شاه عام 1973. الأسوأ أن فكرة "الذهاب إلى خارج البلاد لأنها لن تصطلح في المستقبل" تبقى الأكثر رواجاً في اللاوعي الجماعي بين مواطني أي دولةٍ تعاني من سطوة الفساد والهدر والتمييز على أسس طائفية وإثنية.

الآن، قد تبدو الفكرة أقرب إلى روايةٍ خيالية، لكنها في الواقع صورةٌ عن كل واحد منا: يستيقظ شاب أفغاني على وقع إعلان دخول حركة طالبان إلى كابول. يشاهد ويعيش حالة رعبٍ شاملة، أشبه بهستيريا جماهيرية مولودة من رحم عامل نفسي. لن يتمكّن هذا الشاب من التمييز. يراهم يهرعون إلى المطار، فيهرع معهم. لا يفكّر سوى بسلبيات حياته في أفغانستان. ومع كل مترٍ يعدوه، يزداد يقيناً بهذه السلبيات، وتكبر ثقته في اللحاق بطائرةٍ ما تستعدّ للإقلاع. لا يفكّر في جواز سفر أو تأشيرة سفر. يفكّر فقط في حجز مكانه هناك. يصل إلى المطار، ويفاجأ بوجود كثيرين مثله. يحاول استغلال سرعته، كقيمة ناجمة عن اصطفاء طبيعي. يهرول إلى إحدى الطائرات. يتمسّك بعجلتها. تبدأ الطائرة بالتحليق. يقول في نفسه: "لقد نجوت. قريباً سأكون في أميركا". لم يتصوّر أن هناك في السماء سيختلف الوضع عن الأرض. تزداد الطائرة سرعة وصخباً. الهواء أكبر من أن يتمّ استيعابه. يبدأ الشاب بالانزلاق. لم تعد يداه قادرتين على التمسّك بالطائرة. يبدأ بالسقوط الحرّ، وفي أثناء ذلك يفكّر: "هل كان الأمر يستحق موتي؟". قطعاً لم يكن سوى بشر يسعى إلى ما كان يعتقده "مستقبلاً أفضل"، بمجرّد صعوده إلى الطائرة. هذا الشاب هو كل فرد منا في بلادٍ عصيّةٍ على الإصلاح، وصورة عمّا يُمكن لامتزاج الوعي والغريزة أن يفعل.