كيف انقلب مشهد الإقليم؟

كيف انقلب مشهد الإقليم؟

01 ديسمبر 2021
الصورة

(حسين ماضي)

+ الخط -

تبدو التداعيات التي أحدثها الانسحاب الفوضوي للولايات المتحدة من أفغانستان أبعد وأعمق أثرا مما كنا نعتقد لدى بث مشاهد إخلاء مطار كابول، ودخول مقاتلي حركة طالبان المدينة في شهر أغسطس/ آب الماضي. التداعيات عالمية الطابع، بحكم مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي، لكن منطقتنا، باعتبارها أكثر مناطق العالم "رخاوةً"، وعرضةً للمؤثرات الخارجية، بحسب كارل براون، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون الأميركية (1928 - 2020)، كانت الأسرع استجابة، إذ نشهد، منذ ذلك الوقت، تغيرا كبيرا في تحالفاتها.

بدأت هذه التغييرات طبعا منذ صدور نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، ما يدلّ على أن السياسة الأميركية ما زالت الفاعل الأكثر أهمية في تحديد علاقات الشرق الأوسط الدولية وسياسات دوله الخارجية، فانتهى حصار قطر قبل دخول جو بايدن البيت الأبيض، وأعلنت السعودية مبادرتها لوقف الحرب في اليمن. في المقابل، حاول الحوثيون الاستثمار في البرودة التي طرأت على العلاقة بين الرياض وواشنطن، بعد خروج ترامب، بالتصعيد عسكريا في مأرب. أما تركيا، المتوجّسة من بايدن ومواقفه السلبية منها، فقد اتجهت إلى تطبيع علاقاتها مع السعودية ومصر، وتبنّي مقاربةٍ أكثر انفتاحا في شرق المتوسط، إيران بدورها قرّرت وضع أحد رموز تيارها المحافظ في كرسي الرئاسة، وإطلاق سياسة خارجية تركّز على محيطها الإقليمي أكثر من العلاقة مع الغرب، وكان من نتائج ذلك انطلاق الحوار السعودي - الإيراني في بغداد.

مثّل الخروج الأميركي من أفغانستان نقطة تحوّل في تفكير نخب المنطقة، ازدادت معه وتيرة التفاعلات الإقليمية، إذ تعزّز الانطباع لدى حلفاء الولايات المتحدة أن واشنطن حليفٌ لا يمكن الاعتماد عليه، أما الخصوم فوجدوا في رئاسة بايدن المتردّدة والحائرة فرصةً لتحقيق بعض المكاسب السريعة. وقدّمت الإمارات وتركيا أبرز مثالين على مدى (وعمق) التحوّل الذي تسبب به الانسحاب الأميركي من أفغانستان. وبالإضافة إلى التطور الذي شهدته العلاقات بين البلدين على المستوى الثنائي، وبلغت ذروتها في زيارة ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، إلى أنقرة، الأسبوع الماضي، حيث وعد بضخ استثمارات كبيرة في الاقتصاد التركي المريض. وتلاقت مصالح تركيا والإمارات إلى جانب روسيا والصين على دعم حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، فأنشأت الإمارات، بحسب تقارير إعلامية، جسرا جويا بين أبوظبي وأديس أبابا لتمكين الجيش الإثيوبي من صد زحف قوات جبهة تحرير تيغراي وحلفائها باتجاه العاصمة. أما تركبا فقد وافقت على بيع إثيوبيا طائرات مسيّرة من طراز "بيرقدار تي بي 2"، في أثناء زيارة أبي أحمد لأنقرة في أغسطس/ آب الماضي. ويُعتقد أن هذه الطائرات، التي حققت سمعة طيبة في صراعات سورية ولبيبا وجنوب القوقاز، أدّت دورا مهما في وقف زحف المتمرّدين باتجاه أديس أبابا. في المقابل، لم تخف مصر تعاطفها، على ما ذكرت بعض التقارير، ودعمها مقاتلي جبهة تحرير تيغراي، في محاولتهم إطاحة أبي أحمد الذي يعد خصم مصر الرئيس في أزمة سد النهضة ومياه النيل.

وفيما تقترب الإمارات من تركيا، تبتعد بأجندتها عن السعودية، في اليمن، وكذلك في العلاقة مع إيران. وقد برز ذلك في الانسحاب الغامض الذي نفذته قواتٌ متحالفةٌ مع الإمارات من ميناء الحديدة أمام الحوثيين في الشهر الماضي، (نوفمبر/ تشرين الثاني)، وفي زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني علي باقري كني إلى أبوظبي قبل أيام، وفي طرح الإمارات إنشاء محور الشارقة - مرسين عبر إيران لتعزيز التبادل التجاري. ويثير هذا المشروع، إضافة إلى مشاريع نقل الطاقة الإماراتية عبر إسرائيل، قلقا في مصر واستياءً في السعودية. ويلفت أيضًا عمق العلاقة التي باتت تربط الإمارات بالصين (وروسيا) إلى درجة السماح للصينيين ببناء قاعدة في ميناء خليفة في أبوظبي، تدخّل الأميركيون لوقفها، بحسب تقرير أخير لصحيفة وول ستريت جورنال. في الوقت نفسه، تعزز السعودية علاقتها بروسيا التي باتت حليف الرياض الرئيس في سوق النفط العالمية، وكان ملفتا مستوى التنسيق بين البلدين في مواجهة الضغوط الأميركية لزيادة إنتاج النفط وخفض الأسعار. في الوقت عينه، كانت إيران تبدي استعدادها لضخّ خمسة ملايين برميل في الأسواق العالمية. طبعا إيران لا تملك هذه القدرة، لكنها بدت وكأنها تقول لبايدن: دعك من الروس والسعوديين نحن مستعدون للمساعدة، فقط أعرنا شيئًا من اهتمامك.