كوريا الشمالية بين الواقع والخيال

كوريا الشمالية بين الواقع والخيال

07 يناير 2022
+ الخط -

تمتزج الشائعات بالخيال قبل الحقيقة في أحيان كثيرة، عندما يتعلق الأمر بالأخبار الواردة من كوريا الشمالية، فلا يوجد ما قد يكون مستبعداً في هذا البلد المحكوم بقبضة حديدية من كيم جونغ أون. ولذلك تقبُّل الكثير مما ينقل عن أحوال هذا البلد يبدو سهلاً وسريعاً.

أخبار مثل إعدامات لكبار القادة، حتى من داخل العائلة، منع أي مظاهر للسعادة، بما في ذلك الضحك 11 يوماً، معاقبة عائلة أي منتحر لثلاثة أجيال، إعدام من يجرؤ على مشاهدة برامج أجنبية، منع ارتداء الجينز... وغيرها من أمورٍ كثيرة يمكن وضعها في خانة المستحيل، جرى تداولها، بما في ذلك خلال العام المنصرم. وهي جميعها مشاهد تصلح للأفلام على غرار "steel rain" (إنتاج 2017 ومتوافر على منصة نتفليكس)، لكنها ليست مجرّد خيال.

أحدث الأنباء الواردة من هذا البلد، ما يرتبط بواقعة "الكلمات المسيئة للزعيم". تفيد الأخبار المتداولة بأن الرسالة التي كتبت على أحد الجدران في العاصمة بيونغ يانغ تضمّنت انتقاداً لحالة الجوع التي يعاني منها سكان كوريا الشمالية، مرفقة بسباب لكيم جونغ أون، ما استنفر السلطات ودفعها إلى جمع عيناتٍ لآلاف من خطوط الكوريين، في محاولة الوصول إلى الجاني المفترض. يكفي تخيّل طبيعة هذا النظام الذي سينكبّ مئاتٌ، إن لم يكن آلافٌ من المخبرين والأمنيين فيه، لتحليل الخطوط واستجواب قاطني الأحياء لمعرفة من وراء هذه الفعلة. وكما في حوادث مشابهة، لن يكون مفاجئاً إعلان حصول إعدامات جديدة جراء هذه القضية تطاول مواطنين، ومسؤولين، فمجرّد حدوث أمرٍ كهذا لا يُغتفر في معايير القائد.

تساعد حالة العزلة التي تعيش فيها كوريا الشمالية على تصديق كثير مما يُنسج حولها، سواء بشأن نمط حياة "زعيمها" وزوجته أو كبار القادة ووضع المواطنين. وحدها التجارب النووية والصاروخية التي تجريها هذه الدولة غير خاضعة لمبدأ السرية، بل على العكس هي مدعاة للتفاخر العلني. ولم تمضِ سوى خمسة أيام من العام الجديد، حتى أُعلِن إطلاقها ما يعتقد أنه صاروخ فرط صوتي في البحر. تمضي بيونغ يانغ في تجاربها، على الرغم من العقوبات التي تنهال عليها، والتي كما الحال في معظم البلدان تنعكس سلباً، وبشكل أدق كارثياً، على السكان. فكوريا الشمالية سجلت في عام 2020 أكبر ركود اقتصادي، ويفترض أن الوضع تفاقم على نحو أكثر مأساوية في 2021، خصوصاً مع استمرار المجاعة التي تعاني منها البلاد وجائحة كورونا التي تصرّ بيونغ يانغ على نفي وصولها إلى البلاد، منتهجةً سياسة الإنكار والإخفاء على غرار الجارة الصينية التي لم تعترف إلا متأخرةً بتفشّي الوباء.

وإذا كانت تقارير الأمم المتحدة والخبراء تشير إلى تهديد المجاعة أكثر من عشرة ملايين كوري شمالي يقدّر أنهم يعيشون في عوز، فإن كيم جونغ أون لم يُخف بدوره هذا الوضع، عندما تحدث أخيراً عمّا سمّاه "وضعاً غذائياً متوتراً"، رابطاً الأمر بتعثر خطة القطاع الزراعي في إنتاج الحبوب وتداعيات الأعاصير في 2020. تترافق سياسة الإنكار التي تنتهجها عائلة كيم منذ عقود مع استراتيجية تعزيز القبضة الحديدية على البلد، على الرغم من موجات الانفتاح العابرة التي بدأت مع تولي كيم جونغ أونغ السلطة قبل عقد، ومن خلال المحادثات التي أجراها مع الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، قبل أن تنقطع خطوط التواصل في عهد إدارة جو بايدن، فكلما ازداد الوضع الاقتصادي والاجتماعي تدهوراً، ازدادت حاجة كيم، ومن حوله، لإحكام مزيد من السيطرة.