كورونا .. مؤامرة ولقاح

16 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

في التاريخ القديم الذي تتكرّر بعض فصوله في أيامنا الحالية، حين تصل الأمور بين طرفين إلى حائط مسدود، يحصل صدامٌ ينتهي بغالبٍ ومغلوب ورسم خريطة طريق جديدة. في الصدام يفرض القوي نفسه، وقد لا يكون محقاً، فصاحب الحق ليس الأقوى دائماً. لكن المنتصر في أي حربٍ يفرض شروطه على الخاسر. بعد قرون طويلة، وصلت البشرية في بعض مجتمعاتها إلى فرض القوة بالقانون، لا بالقتال. وهو تطوّر نوعيّ، ينقل الصراعات من الميادين العسكرية إلى الميادين القانونية، لكنه يحتاج إلى تعميمه إلى مختلف ساحات القتال الحالية في العالم.
تبدو البشرية اليوم منقسمة في موضوع فيروس كورونا، فهناك فئة تدعو إلى تكثيف اللقاحات وتوزيعها على البشر مجاناً، لوقف تفشّي الفيروس، تمهيداً لعودة الحياة إلى طبيعتها. تقارب هذه الفئة الملف كمقاربة أسلافها في أوبئة سابقة، مثل الإنفلونزا الإسبانية والطاعون والسلّ وغيرها، أي حصر الأضرار للخروج بأقلّ قدر ممكن من الخسائر، في أسوأ أزمةٍ طبيةٍ تواجه البشرية منذ نحو مائة عام. في المقابل، وكما في كل زمن، تخرج فئة، تظنّ نفسها أنها كشفت مؤامراتٍ وأسقطت معادلات، وتدّعي عدم إيمانها بوجود فيروس كورونا، بل تصرّ وتؤكد أنه "مصنوع" في مختبرٍ ما. ثم، تتحدّث هذه الفئة بثقة عن "محاولاتٍ للسيطرة على العالم عبر اللقاحات"، معزّزة بفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي. والمؤسف أن مثل تلك الفئة موجودة بقوة في الصفوف الطبية والإعلامية والسياسية وغيرها.
لماذا يظنّ هؤلاء تحديداً أن كل شيء مؤامرة؟ لأنهم لا يريدون الاعتقاد أن العالم أبسط مما هو عليه، وأن طبيعة التعامل بين المجتمعات لم تعد كما كانت منذ أيام الدول الاستعمارية. لا يريد هؤلاء النظر إلى الأرقام الاقتصادية المقلقة التي أفرزتها تداعيات كورونا على العالم الصناعي، من الصين إلى أوروبا وصولاً إلى الولايات المتحدة. لا يريد هؤلاء الاستماع إلى وجهة نظر طبية، بل الغوص في عالم الأوهام والأكاذيب، وتصديق ما يرونه الأقرب إلى خيالاتهم. يصدّقون مثلاً من يدّعي أنه "يرى المستقبل" كالمتنبئين الجدد الذين تزدحم بهم شاشات التلفزة في كل عام. فلو كان فيروس كورونا معادلة رياضية مثلاً، لما كانوا رغبوا بالتصديق أن "1 + 1 = 2"، بل كانوا سيعترضون بتقديم ادعاءاتٍ فارغةٍ وواهية، ويسوّقون لها بحدّة.
تخيّلوا مثلاً لو أن لأمثال هؤلاء القدرة على قيادة العالم. لن يحصل أيٌّ منا على لقاح، ولن يُعالج أيٌّ منا في مستشفى، وسيكون علاج كل مرض تمنيات لا أساليب طبية علمية. أمثال هؤلاء، لو قُيّض لهم حكم العالم، سيغرقونه بعالم مليء بالمؤامرات والغموض. المفترض أن نكون، نحن البشرية، قد تجاوزناه منذ اختراع النار والعجلة. أمثال هؤلاء يرفضون تصديق أن الأوبئة جزء من عالمنا، وأنها ظهرت سابقاً وستظهر مستقبلاً لأسباب عدة وطبيعية. يعتقدون أن العالم بلغ ذروته، وأن كل شيء بات "مصنوعاً". ربما يحتاجون إلى تذكيرهم بأن أوبئة القرون الأوروبية الوسطى لم تكن "مصطنعة"، بل أودت بحياة الملايين قبل إيجاد العلاج، وأن اللقاحات المحاربة لفيروس كورونا حالياً هي نتيجة دراسات موضوعة منذ نحو 20 عاماً، وأن امتلاك حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، وترويج نظريات المؤامرة، لا يجعلانك إنساناً ذكياً، بل قاتل للناس بدعوتك إلى عدم تلقيهم اللقاحات، وتسويق أن "كورونا كذبة". 
في القضاء، القَتَلَة وشركاؤهم يُحاسبون قانونياً، وكذلك تجب محاسبة كل من يستهتر بحياة الناس مستخفاً بفيروس كورونا، ومدّعياً امتلاكه معرفةً واهمةً بالفيروس. لا يرى هؤلاء ملايين البشر الذين سقطوا، ولا يريدون النظر حولهم لرؤية مستشفيات مليئة بضحايا الفيروس. يريدون فقط تصديق أنفسهم بأنهم محقون، ولو على حساب الناس. لا يمكن لأمثال هؤلاء أن يصلوا إلى السلطة، لأن البشرية ستنتهي على أيديهم.