كورونا لبنان لا يشبه إلّا السيناريو اللبناني

17 يناير 2021
الصورة

ممرضة تعتني بمصاب بكورونا في العناية المركزة في مستشفى في بيروت (15/1/2021/Getty)

+ الخط -

أوضح نقيب مستوردي الأدوية في لبنان، كريم جبارة، أنّ مخزون بعض الأدوية ليس كافيًا، كالتي يتمّ تناولها لتخفيف أعراض كورونا. وأردف أنّ شحّها يعود إلى عدم توفر الدولار، لأنها تدخل ضمن الأدوية التي يدعمها مصرف لبنان عبر تأمين دولار استيرادها على أساس السعر الرسمي البالغ 1515 ليرة لبنانية.

وضعُ لبنان في ظلّ انتشار وباء كورونا لا يشبه إلا لبنان، فالسيناريو الإيطالي الذي يتخوّف بعضهم من تكراره، لن يحصل. فإنّ لبنان يعيش اليوم السيناريو اللبناني الذي قد نشهد تطبيقه على دول نامية، تعيش كما يعيش لبنان، هذا إن وجدت. وإن كان قد استنبط من الحرب الأهلية التي عاشها لبنان، من عام 1975 حتى نهايتها في اتفاق الزعماء والمسؤولين اللبنانيين في الطائف عام 1990، نموذج عرف بـ"اللبننة"، وطبّق بعدها في أكثر من دولة، والعراق منها. وبشأن انتشار وباء كورونا في لبنان في الوسع أن نطلق عليه "السيناريو اللبناني" من دون منافس، إذ للمرة الأولى، منذ نحو عام، يرى اللبنانيون مشاهد غير مألوفة على أبواب المستشفيات. لا مكان لمرضى كورونا، والمحظوظ منهم عولج في سيارته، أو على قارعة الطريق. وفي ظلّ قساوة المشهد، ومأساته، وخطورته على الواقع الطبي، وصل الاستهتار إلى حدّ ارتياد الشواطئ للسباحة، والكورنيش البحري في المدن الساحلية للمشي، وممارسة شتى أنواع الرياضات الجماعية في المناطق الجبلية. هذا في تحدٍ واضح لرفض اللبناني الالتزام بتطبيق قرار الإغلاق التام الذي أخذته حكومة تصريف الأعمال.

في لبنان فقد الأمل، وأصبح اللبناني متروكًا لمصيره، بعدما فقد كل الثقة ببلده

وفي سياق متّصل، كشف نقيب المستشفيات الخاصة، سليمان هارون، عن وجود 1260 سريرًا في غرف العناية الفائقة، لكن 400 منها فقط مجهزة تجهيزًا كاملًا لكورونا، والمشكلة في ارتفاع عدد الإصابات وحاجة 40% من المصابين للعناية الفائقة، في حين أنّ كلفة تجهيز كل غرفة هي 60 ألفًا و350 دولارًا في بلد يشهد شحًا واضحًا في العملة الأميركية. إذًا، يبقى السؤال: لماذا يمكن تسميته بالسيناريو اللبناني الذي لا يشبه أي سيناريو في العالم، لا سيما الإيطالي؟ 

عندما شهد العالم مأساة انتشار كورونا في إيطاليا، وأمام التصريح المريع لرئيس وزرائها، جوزيبي كونتي، "انتهت حلول الأرض، الأمر متروكٌ للسماء"، في إعلانٍ واضح عن الاستسلام التام، وفقدان السيطرة على احتواء الوباء. كان الإيطالي لا يزال يعيش الأمل في التغلب على الوباء، في حين أنّ الأمل فُقد في لبنان، وأصبح اللبناني متروكًا لمصيره، بعدما فقد كل الثقة ببلده، وهذا ما دفع به إلى عدم الاستجابة لقرار الإغلاق التام الذي أعلنته الحكومة، فبالنسبة إليه، هو في الحالتين يصارع الموت، اقتصاديًا كان أم وبائيًا. 

في السيناريو الإيطالي، كان الدعم الغربي والدولي مفتوحًا على مصراعيه. أما في السيناريو اللبناني، فإنّ إقحام بعض الأحزاب في لبنان في صراع المحاور سبّب حصارًا اقتصاديًا واضحًا، الأمر الذي جعل العملة الصعبة لتأمين المستلزمات الطبية والأدوية تختفي من المصارف والسوق، الأمر الذي وضعنا في حالة كارثية. 

إضافة إلى هذا، أظهر السيناريو اللبناني قلّة وعي كل من المسؤول والمواطن على حدّ سواء، فبدل إغلاق البلاد، ارتأى المسؤول فتحها للاحتفال في الأعياد، وترك الناس يسهرون ويمرحون من دون قيود، ما رفع أعداد المصابين بالفيروس بشكل هستيري. في المقابل، استخفاف الشعب وقلة وعيه جعلا التخالط، لا سيما في الأماكن المغلقة كالاحتفالات المنزلية، من دون أدنى التزام بمعايير الوقاية، يساعد على نشر الوباء وبسرعة فائقة.

فقدان للثقة بين الشعب والحكومة، نتيجة تردّي الأوضاع الاقتصادية، وسياسات مصرف لبنان التي أدّت إلى فقدان اللبنانيين مدّخراتهم وجنى عمرهم

أمام هول السيناريو اللبناني، وما ينتظر لبنان بعد انتشار كورونا وتفشّي الوباء، يخرج حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، بتصريح يفرمل الدولار من السوق، ويدفع اللبنانيين إلى إخفائه في منازلهم، بدل التداول به في السوق. وقد صرّح سلامة عن انتهاء عصر تثبيت سعر صرف الليرة إزاء الدولار؛ فمن شأن تصريحٍ كهذا، وفي ظل عقوبات اقتصادية، وانتشار وباء كورونا، أن يخضّ البلاد نقديًا، في وقتٍ هي بأمسّ الحاجة للسيولة بالعملة الصعبة، كي يتمّ شراء المستلزمات والأدوية والتجهيزات الطبية، لمكافحة الوباء.

يعاني لبنان أزمات متعاقبة، من الوباء، والحكومة المستقيلة، ورئيس حكومة مكلّف منذ أكثر من خمسة أشهر ولم يزل في مرحلة التأليف، إلى الكيدية السياسية. لبنان يعاني، وهناك بعض من مكوناته يريدون زجّه ضمن لعبة المحاور، الأمر الذي يفاقم عليه مزيدًا من العقوبات العربية والدولية. لبنان يعاني، وهناك فقدان للثقة بين الشعب والحكومة، نتيجة تردّي الأوضاع الاقتصادية، وسياسات مصرف لبنان التي أدّت إلى فقدان اللبنانيين مدّخراتهم وجنى عمرهم. لذا، لن يكون لبنان في دائرة السيناريو الإيطالي، بقدر ما سيكون ضمن السيناريو اللبناني القابل للتعميم والمماثلة.