كورونا في عامه الثاني

12 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

في السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول من عام 2019، وبينما كان العالم يستعد لدخول العام 2020، تم الاعتراف طبياً بوجود فيروس كورونا المستجد، بعد أن أبلغ طبيب صيني في مدينة ووهان، عاصمة مقاطعة هوبي، السلطات بأن عشرات الإصابات التي تزايدت منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني إنما نتجت عن فيروس جديد من فئة كورونا. وهذا يعني أن الفيروس دخل عامه الثاني قبل أيام، مع دخول العالم العام الجديد 2021، عقب أسابيع من اعتماد الدول المتقدّمة علمياً لقاحاتٍ مخصصةٍ لمقاومة إصابته الناس بمرض كوفيد-19. وعلى الرغم من اكتشاف سلالةٍ جديدةٍ من فيروس كورونا المستجدّ في المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا، في الأسابيع الأخيرة، إلا أن الرائج علمياً أن اللقاحات الجديدة ستكون قادرةً على وقف هذه السلالة الجديدة أيضاً.
يبدو العالم، إذن، متفائلاً بالخروج من هذه الجائحة التي عطلت الحياة الطبيعية عاماً كاملاً، ربما تضاف إليه شهور من العام الجديد. ولكن، هل يبدو أن العالم تعلم درساً مفيداً من هذه الجائحة، يتعلق بحياة بني البشر على هذا الكوكب، وضرورة حفاظهم عليه؟

وصلنا إلى المستقبل الذي كان يُنظر إليه إبّان التطورات الصناعية في النصف الثاني من القرن العشرين على أنه بعيد

ليس ثمّة حتى الآن تفسير يقيني لسبب ظهور فيروس كورونا المستجد، غير أن أكثر التفسيرات موثوقيةً تتجه إلى الربط بينه وبين تلوث البيئة الناتج عن الممارسات المتصلة بالصناعة. هذا يعني أن الحيلولة دون تكرار مثل هذه الجائحة الصحية يتطلب إيلاء اهتمام أكبر لأمور حماية البيئة. الأمر لم يعد ترفاً تتحايل عليه دولٌ ناميةٌ صناعياً، أو دولٌ صناعيةٌ كبرى، وتحيل نتائجه الكارثية إلى المستقبل. لقد وصلنا إلى المستقبل الذي كان يُنظر إليه إبّان التطورات الصناعية في النصف الثاني من القرن العشرين على أنه بعيد ما يزال، وأنه من شأن الأجيال القادمة بعد مئات السنين، لا من شأننا نحن الذين شهدنا النمو الصناعي، ولمسنا تلوث البيئة بأنفسنا.
خلال الشهور الماضية من عمر هذه الجائحة، انتشرت صور مُلتقطة بالأقمار الصناعية تُظهر انخفاضاً كبيراً في تلوّث الهواء على كوكب الأرض، نتيجة حالات الحظر الشامل والجزئي التي اتخذتها الدول للحد من انتشار الفيروس، أي نتيجة تباطؤ النشاط الصناعي في العالم. ربما كان ذلك من النتائج الإيجابية المؤقتة لفيروس كورونا في العام 2020، لكن النتيجة الإيجابية الحقيقية ستتمثل في أن يدفع ظهور هذا الفيروس دول العالم إلى الحدّ من التلوث بشكل دائم، وهو أمر كانت ستبحثه قمة المناخ التي كان مزمعاً عقدها في اسكتلندا في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، لولا تأجيلها في إطار مساعي الحد من التجمعات لمقاومة انتشار الفيروس.
نبدو في العالم العربي أقل مسؤولية من الدول الصناعية عن هذه الطفرات الفيروسية المؤذية، لأننا لا نتوفر على الصناعات التي تؤذي البيئة، لكننا سنكون في عين العاصفة المتعلقة بكيفية معالجة آثار هذه الجائحة، ثم السعي إلى الحيلولة دون تكرارها مستقبلاً، والسبب أن الحديث يجري في العالم عن اقتصاداتٍ جديدةٍ لما بعد الجائحة تحدّ كثيراً من الاعتماد على النفط لصالح بدائل نظيفة للطاقة، تعتمد على الشمس والرياح، أي بكلماتٍ أخرى إنفاذ الخطط العالمية للحدّ من الاحتباس الحراري التي ظلت أعواما طويلة تُلقى كخطابات وخطط كلامية، من على المنابر الدولية، بدون كثير من العمل الجاد لتحويلها إجراءاتٍ وسياساتٍ على أرض الواقع.

المشهد العالمي جاهز لتبني نهج جديد في التعامل مع البيئة، والحد من نتائج العقود الأخيرة من النمو الصناعي

ولا يتعلق الأمر هنا بالدول العربية النفطية وحسب، أي ليس متعلقاً باحتمال انخفاض الطلب العالمي على النفط، بل يتصل كذلك بفرص الدول العربية كافة للانخراط في المساعي العالمية لإنتاج الطاقة البديلة النظيفة، وهي مؤهلةٌ لذلك حتماً، لأنها بلادٌ للشمس الساطعة. وهذا بابٌ يلزم أن يتناوله متخصّصون بالبحث والتمحيص والتفكير، وأن تتناوله حكوماتنا بالتخطيط والاستبصار، وهي كلها أمور غائبةٌ عن دولنا العربية حتى الساعة، وكأننا نصرّ، في كل حالة ومناسبة، أن نكون خارج التاريخ.
على الصعيد الدولي، تتزامن هذه التطلعات العالمية الجديدة مع انتهاء العهد الثقيل للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي كان من أوجه ثقله أنه جعل الولايات المتحدة تنسحب من اتفاقية باريس للمناخ، وهو الإجراء الذي تتبنّى إدارة الرئيس المنتخب، جو بايدن، مسعى للعودة عنه في القريب العاجل. المشهد العالمي، إذن، جاهز لتبني نهج جديد في التعامل مع البيئة، والحد من نتائج العقود الأخيرة من النمو الصناعي الذي دفعت بيئة الكوكب فاتورته عالياً.
على الرغم من هذا كله، ما زال أمر حماية البيئة في إطار الوعود والتنظير، وليس ثمّة ضمانات لسلوك إنساني جديد سوى أن تتفق دول العالم الصناعية الكبرى على معايير ملزمة في شأن البيئة، تحت وطأة ما عانته خلال جائحة كورونا، تماماً كما فعلت عقب الحرب العالمية الثانية، حين وضعت معايير جديدة وقتها لحفظ السلم العالمي، تحت وطأة ما عرفته من مآسي الحروب. وعلى الرغم من كل الخروق التي قامت بها الدول الكبرى المسيطرة، واستعمالها الرديء تلك المعايير في خدمة مصالحها على طريقة الكيل بمكيالين، فإنه يمكن القول بموضوعيةٍ إن المعايير الدولية ساعدت كثيراً في الحدّ من الحروب في العالم خلال العقود السبعة الماضية. وإذا كان من غير المتصوّر أن يكون الالتزام العالمي بمعايير حماية البيئة مثالياً ومنزهاً عن الكيل بمكيالين هو الآخر، إلا أنه سيكون، على أي حال، أفضل من الانفلات البيئي الحاصل حالياً في العالم، والذي أنتج هذه الجائحة الخطيرة.