كوارث الأحادية في الفن والإعلام

كوارث الأحادية في الفن والإعلام

31 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

إن صحّت الاتهامات بالفساد أو الإهمال لبعض القيادات الإدارية والفنية في مجموعة "المتحدة للخدمات الإعلامية"، الذراع الإعلامي لمؤسّسات الدولة المصرية، فالسبب الرئيس انفراد المجموعة بالساحة الإعلامية المصرية، وتحكّمها في مختلف وسائل الإعلام، فضلاً عن السيطرة الحصرية على سوق الإنتاج الفني، خصوصاً الدراما التلفزيونية، فالمعادلة البسيطة الثابتة "من أمن العقوبة أساء الأدب" أثبتت صحّتها في مختلف الأوقات وفي المجالات كافة.
وبسبب إخضاع كل التدفقات والمنتجات الإعلامية الجارية في البلاد لمنطق واحد فقط، هو الترويج والتمجيد في الحكم ورجاله وسياساته، كان ما كان من فراغ في المضمون وانحدار في مستوى الأعمال الفنية التي صارت لا تبحث عن قيم ولا مبادئ ولا رسائل، سوى رسالة واحدة ووحيدة، أن كل شيء تمام وليس أعظم مما كان، وما عدا ذلك فليس ذا أولوية ولا قيمة له. حتى إن وصل الأمر إلى تعديل مخرج سيناريو مسلسل لتعظيم دور زوجته، ومنح أخته بدورها مساحة لا بأس بها، بينما توليفة المسلسل كلها فاشلة، ولم تقنع حتى عوامّ المشاهدين. لم تكن هذه الواقعة الدليل الوحيد على إخفاق النخبة المديرة للإعلام والدراما المصرية وسقوطها في الأعوام القليلة الماضية، فقد تم إيقاف العمل في مسلسل آخر، على الرغم من قرب الانتهاء منه، لوجود أخطاء كارثية في الأحداث التاريخية، بل وفي الملابس والديكورات المستخدمة. بل إن المسلسل الذي يحمل عنوان "الملك أحمس"، ويحكي عن حروب مصر القديمة، اختير بطلاً له ممثل أبيض البشرة أخضر العينين.
بلغ الجبروت بهذه المجموعة، المتحكّمة في مصائر الفن والدراما والإعلام، أن تمنح وتمنع من تشاء من العمل، بفعل السيطرة، بل الملكية الكاملة لمختلف مراحل الأنشطة الفنية والإعلامية ومفرداتها. مثلاً لا يمكن لممثل أو مخرج أو حتى دوبلير المشاركة في عمل فني ما لم يكن ذلك الكيان راضياً عنه، ويسمح له بذلك، لأنه يملك، ببساطة، حقوق العرض والتسويق والتوزيع والإعلانات، وكل ما يتعلق بالعملية الفنية كاملة، من خلال شركات تابعة لم تكتف بالعمل وحسب في تلك المجالات، بل صارت هي الوحيدة العاملة، وتتحكّم في السوق بشكل كامل. إلى حد أن كل الشركات والمؤسّسات خرجت من سوق الأعمال الفنية والدرامية، ليس لأن المنافسة غير عادلة، بل لأنها غير متاحة أساساً.
والأخطر من ذلك كله، ليس فقط تدهور المستوى أو اكتشاف الفساد، فالتدهور حاصلٌ وواضحٌ للعيان منذ أربع سنوات، والفساد قائم، وفاحت روائحه مبكراً. ولذا تمت إقالة العضو المنتدب لهذه المجموعة الاحتكارية قبل عامين، ولم يعرف عنه شيء بعدها، سوى بيان رسمي عن إقالته لاتهامه في قضايا مالية. الخطير هنا أن شيئاً لم يتغير، بل استمر العمل بالنمط نفسه وعلى النهج الاحتكاري التسلطي نفسه، حتى كادت الدراما المصرية تسقط تماماً من اهتمام المصريين في رمضان هذا العام.
بالتأكيد، لم يهدف السادة المحتكرون من ذلك التوحش في إدارة المجال إلى صرف الناس عنهم. ربما جاءت أخطاء مسلسل أو أكثر لتكشف كوارث أخرى. لكن الكارثة الكبرى التي لا تبدو في الأفق إشاراتٌ إلى إدراك هؤلاء لها، أن الإبداع والفن والأدب والثقافة والإعلام كلها مكونات معنوية وروحية ناعمة للعقل الجمعي. ولا يمكن أن تتشكّل هذه المكونات على قالب واحد متطابق، يتم حشوه قسراً في عقول مائة مليون مصري وقلوبهم. وإن لم ينكشف افتعال هذا التوجه الاحتكاري الأحادي وتكلفه، بالسقوط الحر الطبيعي من اهتمامات المصريين، فكفيل بذلك الوجه الآخر للاحتكار والانفراد والتسلط وغلق الأبواب والأفواه، وهو الانحراف والفساد والتربّح والإهمال، فهل من متعظ؟