كوابيس وأحلام

18 فبراير 2021
الصورة

(محمد العامري)

+ الخط -

يواجه العرب اليوم منحدراتٍ من دون قرار، ومن دون أفق سياسي واضح، ويقف أغلبهم فوق أرضٍ تتمايل وسماء لا أعمدة لها، تغشاهم غيبوبة في اليقظة ويُغَيِّبُهُم النوم ليلاً .. تمتلئ حياتهم بالبكاء والانقباض والمواويل الحزينة، وتنتابهم أحياناً لحظاتٌ من الضحك الهستيري. يُبَسْمِلُون كثيراً، ويتمثلون بقناعة وزهو قيم التواكل والخنوع، ويحلم أغلبهم بزينة الحياة ومفاتنها. تضاعفت متاعبهم في الأشهر الأخيرة، بسبب تفشِّي وباء كورونا ومتطلبات الحجر الصحي وتفاقم البطالة. انتشر بينهم الخوف وعَمَّ البلاء. تحوَّل العرب، حكاماً ونخباً، إلى دراويش، تَقَلَّصَت قدراتهم في الفهم والعمل، وضَمُرَت أجنحتهم وجفّت ينابيع الخيال. أما العقل فقد اختفى من محيطهم، منذ أصبح بإمكان حكامهم أن يبسطوا نفوذهم وآليات ضبطهم وقهرهم على شعوبٍ مغلوبةٍ على أمرها، وعلى أحزابٍ في المعارضة لا ترى أي مانع في التخلي عن المبادئ التي ناضلت من أجلها، وتنجز كل يوم ما يظهر ولاءها لأنظمةٍ مُعاديةٍ لمبدأ تداول السلطة وأخلاق المحاسبة والقانون.

استحضرت هذه المعطيات المليئة بصور العجز والخوف، وأنا مقبل على النوم بعد نهاية يوم حافل بالعمل. وما أن وضعت رأسي فوق الوسادة، حتى انخرطت في نوم عميق هرباً من ضجر وعياء، فوجدت نفسي في حوار مع أحد أصدقائي، من دون أن أنتبه إلى الطابع الغريب الذي سار عليه الحوار. لم يتوقف أي منا عن متابعة الآخر بالهدوء الذي تعوّدنا عليه، استمر صديقي راوياً ومتحدّثاً بلغةٍ تحترم الاختلاف في الرأي، وتبحث عن السبل المساعدة في عمليات الإقناع .. كنا نتكلم لغة واضحة، وكان موضوع الجدل بيننا يتناول قضايا معروفة ومُتداولَة في المشهد الإعلامي العربي، وفي وسائط التواصل الأخرى، تشخيصاً ونقداً، رفضاً وقبولاً.. كنا نقف ونحن نتبادل الرأي على مسافة بعيدة من بعضنا، كما كنا نحمل كمامات تظهر عيوننا، وتبدو فيها حركة أصواتنا وقد صدرت مصفاة بفعل الكمامة التي تغطي النصف الأسفل من وجوهنا. لا أحد يشكّ في علاقة الأقنعة التي كنا نحمل، تنفيذاً للتعليمات القاضية بلزوم مواصلة الاحتراز من وباء كورونا، بالحوار الغريب الذي نَنْسُجُ بيننا، ونحن نفكر بصوت مرتفع في موضوعات تملأ اليوم حياتنا، ذات صِلَة مباشرة بحاضرنا ومستقبلنا.

انتهى مسلسل الفوضى العربية، ورُفعت شعارات تحرير فلسطين أولاً.. ونحن اليوم على أبواب عهد جديد! هذا حلم أم يقظة؟

يخاطبني صديقي قائلاً: ما رأيك في الميثاق الجديد لجامعة الدول العربية؟ تعلو الدهشة محياي، فيتابع قائلاً إن البيان الختامي لمؤتمرها، المنعقد قبل أيام في صنعاء، يبرز ملامح الأفق السياسي الجديد الذي اختارته، فقلت له، كيف لم أسمع بهذا، وكيف تقوم الجامعة بكل هذا وأخبارها بلا فعل ولا صدى يُذكر منذ عقود، فكيف تحدّثني اليوم عن مؤتمرها وميثاقها الجديد في اليمن السعيد؟.. هل وقع تحوُّل سريع ومفاجئ في المشهد السياسي العربي، أم أنك كعهدي بك ما تزال رجلاً حالماً؟ فقال لي: استيقظ من غفلتك ونومك العميق، يا صديقي المهتم بالشأن العربي والثورات العربية، فقد كانت القمة في اليمن عنواناً لأفق جديد لاحت تباشيره منذ أيام في الحاضر العربي، حيث تمت العناية بجدول أعمال المؤتمر الاستثنائي الذي أحدّثك عنه، بهدف إعادة تأسيس منظمة جامعة الدول العربية بصورة جديدة. أصبحت المنظمة اليوم جامعة لمنظمات التعاون الإقليمية العربية .. التحقت الدول العربية بالتنظيمات الإقليمية لضمان تمثيلية الجميع، تعلّم العرب من شيخوخة جامعتهم وعطالتها ما يسعفهم بإعادة بنائها، تخلّصوا من تاريخها البعيد والقريب، كما تخلصوا من كثير من أوجُه تأخرهم التاريخي، وانخرطوا اليوم في عالم جديد.

تحوَّل العرب، حكاماً ونخباً، إلى دراويش، تَقَلَّصَت قدراتهم في الفهم والعمل، وضَمُرَت أجنحتهم وجفّت ينابيع الخيال

كان يبدو في كلام صديقي كثير من الحماس والجدّية، فسألته: وكيف حصل الاجتماع بين الحكام العرب، في وقت ما تزال فيه تداعيات الربيع العربي في سورية وليبيا واليمن على حالها، بعد أن حوّلتها الثورات والثورات المضادة إلى معسكراتٍ دائمة، لتجريب آليات جديدة في الاستقطاب السياسي، وفي الحروب التي لا تتوقَّف إلاَّ لتستأنف، انخرطت القِوَى الدولية والإقليمية في إقامة معسكراتٍ في الجغرافيا العربية؟ وما هو موقف المؤتمر من المطبعين الجدد؟ وما هي أحوال مشروع التحرّر الوطني الفلسطيني؟ هل تداول القادة العرب في هذا كله؟ وكيف تَمَّ تدارُك كل هذه المعطيات التي حولت العرب في السنوات الأخيرة إلى كائناتٍ لا ترى ولا تسمع؟ كيف انقلبوا على أحوالهم وانخرطوا في طريق بناء بدائل لها؟ إنك تتحدّث عن المستحيل .. بدأ صديقي يبتسم، وواصل حديثه عن نتائج مؤتمر القمة الذي انعقد أخيرا: لقد فوجئت قبلك بكل ما حدّثتك عنه، إلا أنني تذكّرت أن بعض مفاصل التاريخ تكون مُعقَّدة، ويصعب فهمها بمنطق السببية البسيط والمباشر، وهي مثل الثورات والانقلابات والأحداث الكبرى في التاريخ، تحدث وتتحول بحسابات مُعقَّدة .. بدأت أشعر في أثناء نطقه كلماته الأخيرة برنين في أذني وصداع في رأسي، وبرودة في جسدي، إلا أن صديقي تابع قوله وخاطبني: دعني أعبر لك عن استغرابي الشديد من يأسك وهروبك، فأنت لم تعد تنتمي إلى أرض العروبة، رحلت منها من دون أن تستطيع حَطّ رحالك في أرضٍ أخرى، فبقيت مُعلقاً فوقها وبجانبها، اكتفيتَ بالنظر إليها عن بُعْد .. بقيتَ واجماً غائباً مغيباً، ضاحكاً باكياً، في وقتٍ انتفض فيه المنتفضون، وبلغوا المحطات التي كنت تحلم بها منذ هزيمة 1967. ابتسم ووضع يده على كتفي قائلاً: ابتسم، يا صديقي، فقد نلت المراد.

لم أستطع مواصلة الاستماع إلى أحادثيه عما ورد في الفقرات الأخيرة في البيان الختامي، الصادر عن القمة في موضوع إلغاء معاهدات التطبيع التي شملت، في الأشهر الأخيرة، بلدانا عربية عديدة، فقد تَمَّ توقيف العمل بكل بنود هذه المعاهدات، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل تَمَّ تعطيل معاهدات التطبيع القديمة بين كل من مصر والأردن، وإعلان وقف التعامل السري القائم بين إسرائيل وبلدان عربية كثيرة.

شعرت بعياء، بدأت أبتسم وأشعر بتثاقل كبير في جسدي، فتابع كلامه مبتسماً، ثم قال: انتهى مسلسل الفوضى العربية، ورُفعت شعارات تحرير فلسطين أولاً.. ونحن اليوم على أبواب عهد جديد.