كم هي خطيرة مؤامرة كازاخستان

كم هي خطيرة مؤامرة كازاخستان

12 يناير 2022
+ الخط -

تقول لغة الاقتصاد إنّ كازاخستان أكبر منتجة للنفط في آسيا الوسطى، مع حوالى 1.7 مليون برميل في اليوم. وبإنتاجها نحو 20 ألف طن سنوياً من اليورانيوم، تكون هذه الدولة السوفييتية سابقاً أكبر مصدر لهذه المادة الأساسية في توليد الطاقة النووية المدنية والعسكرية في العالم. أما من ناحية ثروتها من الغاز الطبيعي، فإنّها المصدّر الرقم 12 له في العالم. ولكازاخستان أرقام قياسية أخرى: تاسع أكبر بلد من ناحية المساحة بـ2.725 مليون كيلومتر مربع، مع عدد سكان ضئيل (18 مليوناً) نسبة إلى تلك الأراضي الشاسعة. هي ثاني أكبر معدِّن لتلك العملة الافتراضية اللعينة "بيتكوين"، وتاسع أكبر دولة في العالم من ناحية مخزونها من المنغنيز والحديد والكروم والفحم. بماذا يستفيد الشعب من كلّ هذه الثروات؟ المعدل الشهري للرواتب في كازاخستان 272 دولاراً فقط للأسرة الواحدة. 29 طفلاً من أصل ألف يموتون قبل أن يبلغوا سنّ الخامسة. بلد بهذه الثروة يخصّص 2.5% فقط من دخله الوطني على الصحة.

هذا موجز مقتضب جداً لبعض الأرقام المرتبطة بالبلد الذي شهد مقتلة بين يومي الأحد ما قبل الماضي والخميس، قتل خلالها 164 شخصاً، واعتُقِل ثمانية آلاف آخرين وعدد كبير منهم "أجانب"، بحسب إعلان وزارة الصحة. دليل دامغ على أنّ تظاهرات الفقر والحرية التي انتهت بالمجزرة، كانت مؤامرة أجنبية وجدت عملاء محليين رصدهم كل من فلاديمير بوتين والرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف. وتوكاييف ذاك أمر قوات الأمن بالقتل الفوري للمتظاهرين من دون توجيه إنذار لهم (أعلن ذلك بلسانه)، واحتفل بأنه حُيِّد الآلاف بين قتل وإصابة واعتقال في غضون يومين. أما عن إرسال روسيا 2500 جندي لإغاثته، فإنما ذلك قابله الرجل بشكر موسكو مرات ثلاثاً حتى كتابة هذه السطور.

كازاخستان بلد "غير حرّ" وفق معياري الحقوق السياسية والحريات المدنية بحسب المؤشر السنوي الذي تنشره مؤسسة "فريدوم هاوس" الأميركية غير الحكومية. مرتبة كازاخستان هي الـ 155 من أصل 180 على لائحة "مراسلون بلا حدود" لحرية الصحافة عام 2021. التمييز الطبقي بين المناطق كأنه سياسة رسمية في بلد يتألف من 18 طائفة دينية (70% مسلمون) و127 إثنية أكبرها الكازاخيون ثم الروس فالأوكرانيون. الجنوب فقير حدّ الجوع (وهذا مسبب أساسي لتنامي شعبية تيارات الإسلام السياسي)، بينما الغرب الغني بالنفط، ثري. الفلاحون ينازعون من أجل البقاء، مع أن كازاخستان خزان غذائي للعالم. من ناحية الحريات السياسية، أمكن التوقف عند تاريخين اثنين لهذا البلد المشهور بمحطته الفضائية العملاقة التي تشغّلها وكالة الفضاء الروسية كحال قطاعات كازاخستانية كثيرة تتعاطى معها روسيا كأنها شأن داخلي، ومن بينها السياسة والأمن. التاريخ الأقرب ربيع 2019 حين قررت السلطة في مرحلة التسليم والتسلّم بين الرئيسين السابق نور سلطان نازارباييف والحالي قاسم جومارت توكاييف تغيير اسم العاصمة من أستانة إلى نور سلطان، تكريماً لنازارباييف الذي حكم البلد منذ عام 1984 حتى 2019. حينها، قامت قيامة شباب من الطبقة الوسطى المتعلمة التي شعرت بمستوى الإهانة. أيام قليلة، وتمت إبادة حركة الاعتراض. سبقت حركة 2019 جريمة كبيرة في 2011. في ذلك العام، نفذ عمال النفط إضراباً عن العمل. فتحت السلطة النار عليهم وقتلت 40 مضرباً. وطوال الأشهر السبعة من عمر الإضراب، ورغم طرد 2500 منهم من أعمالهم بصورة تعسفية، ورغم كل الضغوط والتهديدات والاستفزازات الحكومية، ظل هؤلاء سلميون، حتى إنهم أبقوا إضرابهم "جافاً" مثلما سمّوه، أي من دون تناول الكحول (في بلد تنخفض فيه الحرارة عن 30 تحت الصفر شتاءً). أمل وقتها العمال بأن يدين العالم جريمة السلطة، تماماً كما فعل متظاهرو الأسبوع الماضي. لكن ما وجدوه راوح بين التهاني العالمية لحكام كازاخستان بسحق المؤامرة، والأسف الأميركي على سقوط ضحايا، وفي أحسن الأحوال، عجز فرنسي حكومي "عن فهم ما حصل".

كم هي خطيرة المؤامرة على كازاخستان.