كم الساعة الآن؟
(سلفادور دالي)
كم الساعة الآن؟ سؤالٌ يُفترض أن يجيب عنه أيّ طفلٍ تعلّم للتوّ قراءة العقارب في ساعة يد، أو على شاشة هاتف. إلّا أنّنا ما إن نرفعه فوق سطح العالم حتى نكتشف أنّه ليس بتلك البساطة. لا في الغرب الذي اعتاد أن يفترّ عن ابتسامة قيمٍ مستوردة من عصر التنوير، ولا في الشرق، الذي أمضى نصف عمره يصفّق للغرب ونصفه الآخر يلعنه. هكذا لا تزال عقارب الوقت تائهة: عقربٌ يشير إلى الماضي، وآخر يشير إلى الجهة الخطأ من البوصلة، وعقرب ثالث يعضّ إصبعه من الخيبة.
قضى الغرب قروناً يشرح للعالم معنى الحرية والمساواة والكرامة، قبل أن يكتشف فجأة أنّ الوقت لا يكفي لممارستها. تسأله: كم الساعة الآن عندك؟ فيجيبك بعد أن يتحسّس جيبه حيث يخبّئ مبادئه المطويّة: الساعة الآن مناسِبة لتدريس حقوق الإنسان وغير مناسبة لممارستها. إنّها ساعة الدفاع عن الحياة في الغرب والإشاحة عن الإبادة في الشرق.
ينظر الغرب، ينظر إلى ساعته الرقمية اللامعة، فيرى الأرقام صحيحة والضمير معطّلاً. إنّه مثل موظّف يداوم بدقّة، يصل في الوقت المحدد، يغادر في الوقت المحدد، لكنّه خلال الدوام يفعل كلّ شيء إلّا العمل نفسه.
هو "المنسّق" في التوقيت العالمي، لكنه خارج التوقيت الأخلاقي تماماً. تسأله مرة أخرى: كم الساعة الآن؟ فيردّ، ببرود مقنّن: الآن وقت الانتظار. ننتظر أن ينتهي القتل. ننتظر أن ينتهي الضجيج. ننتظر أن تنتهي الفرجة. ننتظر أن تنسى الضحية جرحها. ننتظر أن ينسى العالم الضحية. ثم يضيف، كمن يتذكّر شيئاً مهمّاً: ولا تنسَ أنْ تغيّر ساعتك عند الانتقال إلى التوقيت الشتوي، فنحن نحافظ على الوقت بدقّة، كي يكبر الفارق بين قيمنا وأفعالنا.
أمّا الشرق، ذاك الذي اعتاد في الغالب الوقوف أمام "واجهات" الغرب متلهّفاً لاستهلاك كلّ ما يعجز عن إنتاجه. فإنّه يعيش في منطقة رماديّة بين الكراهية والإعجاب، بين الشعور بالدونيّة ولذّة التبعية، بين توقيت غرينيتش وتوقيت أجداده المدفونين. تسأله كم الساعة الآن؟ فيجيبك بجدّية رجل يبحث عن الحقيقة: ساعتنا لحظة معلّقة بين حربَين، بين خطابَين، بين خيبتَين. ثم يضيف: في الحقيقة، نحن لا نعرف الوقت لأنّنا لم نصنع ساعة منذ هارون الرشيد. ساعاتنا كلّها هدايا أو غنائم أو تقليد. ولذلك لا تخبرنا بالعصر، بل تخبرنا فقط أنّنا متأخّرون.
سؤال من جملة أسئلتنا العديدة التي لا ننتبه إلى طبقاتها المتراكمة والمتشعبة، والتي تتوالد وفق زاوية طرحها: من الناحية الفلسفية، يرتبط الوقت بسؤال وجودنا نفسه: أين نحن من مسارنا؟ من منظور الفن، الوقت هو الإيقاع، وليست الحياة سوى محاولة يائسة للمشي على إيقاع لا نختاره. في الاقتصاد، ليس الوقت لحظةً بل فرصة، ليس ثواني ودقائق بل فواتير وأرباح وخسائر. أما في السياسة فالزمن ليس خطّاً مستقيماً، بل هو مطّاط يشدُّهُ كلُّ طرَفٍ حسب مصلحته، مثل عجينة يفقد صاحبها الإحساس بما كانت عليه. في الرياضة ليس الزمن حياديّاً. إنه عدوّ يجب هزيمته أو صديق يجب إسعاده. يلاحقُ العدّاءُ الثواني كما لو كانت طريدةً في غابة. يَكره حارس المرمى الوقت في اللحظات الأخيرة من المباراة. لا أحد يسأل "كم الساعة؟" بل "كم تبقّى؟"، وهي صيغة وجودية تماماً، تشبه آخر دقائق الإنسان في هذه الحياة.
في النهاية، لو طرحنا السؤال نفسه على العالم بأسره، كم الساعة الآن؟ لأجابنا بعد آهةٍ طويلة: إنّها ساعة الحقيقة لكن لا أحد يريد سماعها. ساعة الفعل لكنّ معظمنا مشغول بالتصفيق أو الشجب. ساعة المحاسبة لكن أغلبنا ينظر في جيب الآخر قبل النظر في جيبه. والحقّ أنّ الساعة الآن… متأخّرة كالعادة. متأخّرة عن العدالة في الغرب، ومتأخرة عن النهضة في الشرق، ومتأخرة عن الإنسان في كلا الطرفين. إنها ساعة الكوكب كلّه: ساعةٌ معطوبة، عقاربها تدور… لكنّها تدور في الفراغ.
بعد هذا كله، ماذا بقي من السؤال؟ في الواقع، لم يكن السؤال يوماً عن الوقت. كان دائماً عنّا. نحن الذين نبحث عن يقين صغير في عالم مليء بالارتباك. نحن الذين نريد لحظة صافية نفهم فيها أين نقف. لكنّ الحقيقة الساخرة أنّ الزمن، رغم كل محاولاتنا لترويضه، لا يعطينا سوى إجابة واحدة: "أنا مستمرّ. أنتم من يضيع".