كفاح الأجيال.. الاستمرارية لا القطيعة
(Getty)
كُتب وقيل كثيرٌ في هجاء وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ودورها السلبي في تشتيت الأذهان وإضاعة الوقت، وصرف الناس عن القضايا المهمّة في مجتمعاتهم، لما ينفقونه من أوقاتٍ طويلةٍ في مطالعة منشوراتٍ ومواد فيها كثيرٌ من الزائف، وفي حالاتٍ كثيرة، ما هو محرّض على الفتنة والانقسام لا على الوحدة. وفي هذا الهجاء، أو النقد، كثيرٌ من الوجاهة، لكنّه ينطوي على محذورٍ كبيرٍ يتعيّن الوقوف عنده، حين ننسى أن الوسائل الرقمية ليست سوى أدوات قابلة لأن تحمل المضامين المتناقضة، الإيجابي منها والسلبي. فالأمر يتوقّف على درجة وعي من يوظّفها لتوجيه الرسائل وغاياته.
ما يثير الغبطة أن شرائح ليست قليلة من أبناء الجيل الذي يوصف بالرقمي في العالم، بما في ذلك بلداننا العربية، باتت تمتلك درجةً عاليةً من الوعي والنضج السياسي، تجعلها تدرك أن التكنولوجيا الحديثة يمكن تحويلها أداة نضال ومقاومة. وهذا ما أظهرته حملات التضامن الأممية مع غزّة الصامدة، ومع نضال الشعب الفلسطيني عامّة، تلك الحملات التي نجحت (إلى حدّ كبير) في كشف زيف السردية الصهيونية التي تجرى إعادة إنتاجها منذ عقود. وما يُقال عن القضية الفلسطينية ينطبق على القضايا السياسية والاجتماعية العادلة كلّها، لا على المستوى العالمي وحده، وإنما على مستوى كل مجتمع أيضاً.
عند هذا الموضوع، وقفت الشابّة البحرينية جواهر الرويعي، وهي ناشطة في مجال الوعي الاجتماعي وفي حملة التضامن مع غزّة وفلسطين، في محاضرة قيّمة قدّمتها الأسبوع الماضي في مقرّ المنبر التقدمّي في البحرين، متناولةً الدور الكفاحي والتضامني للجيل الرقمي، وداعيةً إلى تكامل النضال التقليدي والوسائل الحديثة. وكانت الرويعي دقيقةً في تشخيص ما تقصده بالوسائل النضالية التقليدية، محرّرةً إياها من نظرة الازدراء التي يشيعها بعضهم تجاهها، إذ أكّدت أنه لولا تضحيات مناضلي الأجيال الأسبق ما كان للوعي السياسي الحديث أن يتشكّل في مجتمعاتنا. وليس مطلوباً التخلّي عن تلك الوسائل "التقليدية"، وإنّما العمل على الجمع بينها وبين مهارات الجيل الرقمي في استخدام الوسائط الحديثة في المهام الكفاحية والتضامنية.
من هنا أتت إشارتها إلى أن النضال والتنظيم في الماضي "كان يُرى في الشارع بشكل أوسع: مسيرات، بيانات مطبوعة، صحف تُوزّع يدوياً، إذاعات محلّية تنقل الصوت في أوقات محدّدة. أما اليوم فالنضال انتقل إلى الخوارزميات، الهاشتاغات، المنشورات الرقمية، والبثّ المباشر؛ ليس لأن الوسائل القديمة سيّئة، بل لأن الواقع تغيّر، ولذلك تغيّرت الطريقة أيضاً". وأعطت مثالاً على ذلك دور شبّان وفتيات من غزّة "أخذوا كاميراتهم أو هواتفهم، وصاروا يُعدّون فيديوهات ويشاركونها عبر تيليغرام، إنستغرام، تيكتوك، حتى في أوقات انقطاع الكهرباء، فلم تكن هذه الصحافة الشعبية أو صحافة المواطن بديلاً فقط، بل أصبحت النافذة الوحيدة للعالم لمعرفة ما يجري".
الدعوة الواعية التي خلصت إليها جواهر الرويعي في محاضرتها هي الدعوة إلى "الربط بين ما بنته الأجيال السابقة وما تحاوله الأجيال الجديدة"، ويترتب عليها عدم المفاضلة بين النضال التقليدي والوسائل الحديثة، بل بناء تكامل خلّاق بينهما. تكامل يقوم على رقمنة الوعي التنظيمي، عبر استخدام المنصّات الرقمية للتثقيف السياسي وبناء الشبكات وتوسيع قاعدة المشاركة، من دون اختزال النضال في التفاعل الافتراضي.
ويترتب على ذلك أيضاً شيء آخر لا يقلّ أهميةً: ضرورة تجديد الخطاب التقليدي عبر اعتماد لغةٍ أقرب إلى الجيل الرقمي، وقضايا أكثر التصاقاً بحياته اليومية، أخذاً بالاعتبار أن هذه القضايا، حتى لو كانت من حيث الجوهر لا تختلف عن التي واجهتها الأجيال الأسبق، فإن أشكال تجلياتها مختلفة اليوم. ومردّ كثير من الشكوى من "كسل" الجيل الرقمي وعزوفه عن الفعل السياسي، يعود إلى عجز البنى التقليدية عن تجديد نفسها، وعن الاعتراف بأن الفضاء الرقمي جزء من المجال العام، وليس هامشاً له.
المهمة الكبرى تحويل التضامن الرقمي إلى فعل ميداني، بربط الحملات الرقمية بخطوات عملية على الأرض، عبر مبادرات وأشكال تنظيمية. ولن يفلح أحد في اجتراحها أكثر من أبناء وبنات الجيل الرقمي الواعين. وإلا فإنّ زخم الحراك الشبابي (والشعبي عامّةً) مُعرَّض للتبدد السريع إن لم يتحوّل من لحظة تفاعل رقمي إلى فعل مُنظَّم ومستدام، مقترنٍ بوعيٍّ سياسيٍّ وببنيةٍ تنظيمية.