كرة القدم من الترويح إلى التسليع

09 اغسطس 2026

بُعيْدَ أيّام من نهاية مونديال 2026 الذي وُصِف بأنّه الأغلى في التاريخ، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عزمه إنشاء كيان جديد بقيمة 20 مليار دولار، يتولّى إدارة المونديال والبطولات التي ينظّمها والإشراف على الأنشطة التجارية، مع طرح حوالي 20% من أسهم الكيان الجديد لمستثمرين خارجيين، بهدف جمع 4.2 مليارات دولار. وقد أثارت الخطوة غضبَ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) الذي اتّهم مسؤولي "فيفا" باستخدام كرة القدم "لإثراء أنفسهم وأصدقائهم"، وبعرض روح اللعبة للبيع، وأعلن اجتماعاً طارئاً للاتحادات الوطنية الأعضاء. وقد صوّتت اتحادات كرة القدم الأوروبية، بالإجماع، لمصلحة مقاطعة بطولات كأس العالم، في اجتماعها الطارئ نهاية الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز)، إذا مضى "فيفا" في خطّته لبيع حصص في مسابقاته لمستثمرين من القطاع الخاص. وستشمل المقاطعة جميع مسابقات "فيفا"، بما في ذلك كأس العالم ومونديال الأندية. وقال "يويفا": "لا يمكن اعتبار كأس العالم منتجاً استثمارياً... إنّها واحد من أعظم مكوّنات الإرث الرياضي لكرة القدم، وبناه اللاعبون عبر أجيال، والمنتخبات الوطنية، والمشجّعون في جميع القارّات. ينبغي أبداً ألا يُتنازل عن أيّ جزء منها لمستثمرين من القطاع الخاص... كأس العالم ليست للبيع".

بُدئ البحث بصورة علنية عن بديل من إنفانتينو، وهو ما يعني عدم التجديد له في الانتخابات المقرّرة في العام المقبل

وأكّد "يويفا" أنّه لن يشارك في أيّ مسابقة تابعة لـ"فيفا" ما لم يتخلَّ الأخير عن هذه المقترحات بالكامل، وما لم تُقدّم ضمانات ملزِمة بأنّ "فيفا" لن يفتح مسابقاته مرّة أخرى أمام الملكية الخاصّة، ما دفع رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو إلى التراجع بإعلانه إلغاء مشروعه المثير للجدل، بعد أن أصبح مصدراً للانقسام داخل كرة القدم العالمية، ولم يعدْ يخدم الهدف الأساس الذي أُطلق من أجله، بحسب تعبيره. لكنّ تراجع إنفانتينو لم يثنِ "يويفا" عن موقفه، على الرغم من ترحيبه بالخطوة، فقد واصل "يويفا" هجومه على إنفانتينو، مؤكّداً أنّه فقد ثقة "يويفا" وثقة عديدين من أفراد أسرة كرة القدم، منتقداً ما وصفه بـ"الصفقة الباهتة التي أُبرمت خلف الأبواب المغلقة وفي غياب الشفافية".
يطرح المشهد سؤالاً كبيراً عن طبيعة العلاقة المركَّبة بين البُعدَين الرياضي والمالي في كرة القدم، ومدى التداخل بينهما، مع الاختلال الشديد الذي أصاب المعادلة في السنوات الماضية، بعدما طغى "المالي" بصورة جارفة على "الرياضي" في الفضاء الكروي. فقد تحوّلت كرة القدم من مجرّد رياضة إلى صناعة تحوّلت إلى موجة عاتية من التسليع والرسملة، بلغت أقصاها في مونديال 2026.
يُعدّ المونديال الكروي الحدث الأكثر متابعةً عالمياً مقارنةً بأيّ حدث آخر، سواء أكان رياضياً أم سياسياً أم فنّياً. فتحرص غالبية شعوب العالم على مشاهدة مباريات المونديال التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة النطاق تفوق تغطية الدورات الأولمبية، وهو ما جعله المونديال ساحةً مثاليةً لحضور الشركات الكُبرى، بدءاً من شركات بناء الملاعب، مروراً بشركات الإعلانات، وانتهاءً بشركات الخدمات، فضلاً عن عائدات الرعاية وحقوق البثّ التلفزيوني. وفتحت هذه الوجبة الدسمة شهيةً "فيفا" لحصد أرباح خيالية، أحالتها من منظّمة رياضية إلى منظّمة نيوليبرالية شرهة، ذات نهم شديد للمال.
كان قرار زيادة عدد المنتخبات المشاركة في المونديال (من 32 إلى 48 منتخباً) مدفوعاً برغبة "فيفا" في تحقيق مزيد من العائدات، وهو ما يعني ارتفاع عدد المباريات من 64 مباراة إلى 104 مباريات دفعة واحدة، وهو ما انعكس على أعداد التذاكر والحضور الجماهيري.
بيد أنّ المتغيّر الأهمّ في النسخة الماضية (2026) من المونديال كان اعتماد "فيفا"، للمرّة الأولى، نظام التسعير الديناميكي للتذاكر، وهو نظام يسمح بتغير أسعار التذاكر تلقائياً مع تغيّر الطلب ومدى أهمّية المباراة، ما يعني أنّ سعري التذكرة للمباراة نفسها وفئة المقعد يمكن أن يرتفعا أو ينخفضا بناءً على عدد الأشخاص الراغبين في الشراء ومدى سرعة بيع التذاكر. وقد تسبّب هذا النظام في وصول أسعار التذاكر إلى مستويات قياسية في كلّ أدوار البطولة، ولم يقتصر على مباريات الأدوار الإقصائية، كما تسبّب في وصول أسعار تذاكر المباراة النهائية إلى أرقام فلكية غير مسبوقة في تاريخ المونديال.
وقد انعكس هذا على تركيبة الجمهور في المدرّجات، فقد أصبح حضور مباريات البطولة مقتصراً على ذوي الدخول الكبيرة، بينما حُرم متوسّطو الدخل من المشجّعين، فضلاً عن البسطاء، من الذهاب إلى المدرجات، حتّى إن كانوا مقيمين في الولايات المتحدة، حيث تتضاعف التكاليف الناتجة عن تجشّم مشقّة السفر، وتكلفة الإقامة في الفنادق والمواصلات.
ذكر الباحث الأوروغواياني إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم في الشمس والظلّ"، أنّ البرازيلي هافيلانج، عندما ترأّس "فيفا" في 1974، قال: "لقد جئت لأبيع سلعةً اسمها كرة القدم". ومنذ ذلك الحين، تعرّض الفضاء الكروي لعملية تسليع ممنهجة، وصلت إلى ذروتها في عهد الإيطالي جياني إنفانتينو، الذي أدار "فيفا" على طريقة الشركات الرأسمالية ذات التوجّه النيوليبرالي المتطرّف، وقد اعتبرها المراقبون نموذجاً مجسِّداً للتسليع الشره المشوب بفساد كبير. فقد حصدت "فيفا" أرباحاً خيالية من عائدات المونديال أخيراً، بلغت 11 مليار دولار، وهو رقم فاق تقديرات "فيفا" نفسها قبل انطلاق البطولة، ما أثار حماسة إنفانتينو لطرح مشروعه الجديد لجلب المزيد من الأرباح.

شهية "فيفا" لحصد أرباح خيالية أحالتها من منظّمة رياضية إلى منظّمة نيوليبرالية شرهة

كتب غاليانو واصفاً عملية تسليع الفضاء الكروي: "تاريخ كرة القدم هو رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب، فكلّما تحوّلت هذه الرياضة إلى صناعة، كان يُستبعد الجمال الذي يتولَّد من متعة اللعب لمجرّد اللعب". بيد أنّ العقدَين الماضيَين شهدا عمليةَ رسملةٍ عاتيةٍ لكرة القدم، بعدما سحقت الأبعادُ المالية الاعتباراتِ الرياضية، فقد اتّسع نطاق الدورة الرأسمالية في الفضاء الكروي، واتّسعت دائرة المستفيدين منها محقّقين ثروات طائلة.
شهد الفضاء الكروي ظهور فاعلين جُدد، مثل وكلاء اللاعبين والمدرّبين الذين يسوّقون ويحصلون على عمولات من صفقات بيع هذا اللاعب أو التعاقد مع ذلك المدرّب. كما أفرزت المنازعات القانونية بين اللاعبين والأندية حول الحصول على المستحقّات بعد فسخ العقود، التي تفصل فيها المحكمة الرياضية الدولية بـ"فيفا"، فئة أخرى من مكاتب الاستشارات القانونية المتخصّصة في هذا النوع من القضايا الرياضية، وهي تحصل على أتعاب بأرقام خيالية.
قد يكون مشروع إنفانتينو المرفوض أخيراً هو كلمة النهاية في صفحته بعدما اتّسعت دائرة معارضيه، وبُدئ البحث بصورة علنية عن بديل منه، وهو ما يعني عدم التجديد له في الانتخابات المقرّرة في العام المقبل بعد انتهاء ولايته الحافلة بأمور مثيرة للجدل، لا سيّما المهازل المتعدّدة التي شهدها المونديال أخيراً، وخضوع إنفانتينو لضغوط سياسية من ترامب وإدارته. لكنّ الملمح المأمول (والأهمّ) أن يكون ذلك نقطةَ البداية في انحسار تلك الموجة العاتية من الرسملة الكروية التي جاوزت كلّ الحدود.