كثير من الخوف
(إيتيل عدنان)
ثمة لحظات يشعر فيها المرء كأنه يسير في ممرٍ طويل تحرسه لافتات تحذيرية لا تنتهي؛ كل خطوة تقوده إلى أخرى أشد صرامة، وكل احتمال يبدو مشفوعًا بوعيدٍ صغير يختبئ في تفاصيل اليوم.
قرأتُ عبارة لإداوردو غاليانو يقول فيها: "الخوف يهدّدك؛ إذا دخّنتَ تُصاب بالسرطان، إذا تنفّستَ تتلوّث، إذا أكلتَ يرتفع الكولسترول، إذا فكّرتَ تقلق، إذا شككت تجنّ، إذا شعرت تعاني من الوحدة". والعبارة ليست مجرّد صياغة ساخرة لحياة تُطارِدها المخاوف، بل مرآة لزمنٍ صار فيه الوجل أداة ضبط، وصار فيه الفرد محاصرًا داخل شبكة لا تهدأ من النصائح، والتهديدات المقنّعة، والحقائق التي تُرمى في وجهه بكثافة تشبه الضجيج.
أحياناً، يبدو الخوف وكأنه يتسلّل إلينا بحسن نية، يدّعي أنه يحرس أجسادنا وقلوبنا وأفكارنا. لكنّ الحقيقة أن حضوره المبالغ فيه يحوّل كل متعة إلى فخ، وكل رغبة إلى جرس إنذار، وكل خطوة نحو الحياة إلى معركة صغيرة مع الشك.
مع ذلك، يبدو أن المشكلة ليست في تلك الحقائق الطبية أو البيئية أو النفسية بحد ذاتها؛ فالعلم لم يخدع أحدًا، والوقائع لم تسعَ لافتعال المعارك. المشكلة في طبقة الخوف التي يكسو بها المجتمع كل شيء، كأنه يريد أن يُحَوِّل الحياة إلى امتحان طويل لا مفرّ منه. يُخيفوننا من المرض أكثر مما يعرّفوننا بالصحة، ومن الفقد أكثر مما يعلّموننا معنى الامتلاء، ومن الخطأ أكثر مما يدفعوننا إلى التجربة. وما بين هذا وذاك، يتكوّن جيل كامل يضع يده على قلبه قبل أن ينبض، ويقاوم رغبته قبل أن تتفتّح، ويزن أحلامه بحذر عجيب، كأن عليه أن يعتذر قبل أن يبدأ.
الخوف حين يتحوّل إلى طريقة في التفكير يصبح أشبه بظلٍّ طويل يسبق المرء أينما اتجه، حتى أن الأفراح البسيطة تفقد خفّتها. والمرء الذي يخشى كل شيء لن ينجو من شيء. سيجلس بين الناس وهو يحسب عدد المصائب المحتملة، وسيأكل بيدٍ مترددة، ويتنفس وهو يتفقد احتمالات السموم في الهواء. هذا النوع من اليقظة لا يشبه الوعي، بل يشبه الاستسلام لعدوٍّ غير مرئي يتغذى على طاقتنا.
مع ذلك، يظل المرء محتاجاً إلى شيء يعيد له توازنه وسط هذا الضجيج. ليس إنكار المخاطر، ولا السير بعين مغمضة، بل اختيار أن يعيش وهو يعرف أن التجربة أثمن من الخوف منها. أن يحب وهو يعرف أن القلب قد يتكسر لكنه لن يُلغى. أن يأكل من دون أن يحوِّل اللقمة إلى معركة إحصائية. أن يفكر من دون أن يتحوّل العقل إلى فخ، وأن يشكّ من غير أن يسلّم نفسه لصورة الجنون التي يرسمها الآخرون.
ربما ما يريده غاليانو من عبارته تلك تذكيرنا بأن الخوف حين يبالغ في حماية المرء يتحوّل إلى سجن. كلما أُضيفت عبارة تهديدية إلى يومه، تقلّصت مساحة التنفس الحقيقي داخله. لا بأس أن نخاف قليلاً، فالخوف أحيانًا هو وجه آخر للانتباه. لكنّ المبالغة فيه تُصادر الحياة من جذورها، وتترك المرء كأنه يعيش بالإنذار أكثر مما يعيش بالنبض.
هكذا أعود إلى العبارة نفسها، وأدرك أن جمالها ليس في قائمة التحذيرات التي تحملها، بل في سخرية مريرة تُشير إلى الحقيقة الكبرى: ما يخشاه المرء كثيراً قد لا يكون المرض أو الفقد أو الشك، بل أن يتحوّل إلى كائنٍ يمشي في الدنيا وهو يضع يده على رأسه طوال الوقت، خائفاً من سقفٍ لا يوشك على السقوط أصلًا. الحياة، كما يبدو، لا تحتمل هذا النوع من الارتياب الدائم، لأن ما يستحق أن يُعاش لا ينمو تحت ظلال الرهبة، بل تحت ضوء التجربة التي لا تخاف أن تتسع.