كبسولة الزمن: أرشيف الرسائل الحميمية
خبّأ مانويل بيلاس مسوّداتٍ وأوراقاً، ورسائلَ شخصية من زوجته السابقة إبّان زواجهما، وصوراً وقصاصاتِ صحفٍ وفواتير، ليكون ذلك بمثابة أرشيفٍ يوميّ لحياته... خبّأها، في كبسولةٍ زمنية سيتم فتحها بعد 25 عاماً. هو فعلٌ غريب لروائي اعتاد كشف كلّ شيء في رواياته حتى اختلطت الأمور على القارئ، فلا يعرف إن كان الأمر يتعلّق بسيرته الذاتية أم برواية؛ وبالتالي يجد نفسه يتساءل: هل ما زال في حوزته أسرارٌ نجت من تعريتها أمام العالمين؟
في روايته "أورديسا" (نقلها إلى العربية مارك جمال، دار الآداب، بيروت، 2021)، يقول الروائي الإسباني: "انطوى عام 2015 على حزنٍ سرى في كل أرجاء الكوكب، خضعتُ لمسحٍ دماغيّ... لكن اختصاصي الأعصاب ممتلئ البدن نفى وجود أيّ شيء غريب في رأسي... فشرعتُ أكتب هذا الكتاب". ويجيب في أحد فصول روايته عن أسئلة السيرة الذاتية في رواياته: "إلى أي مدى يُعدّ هذا الكتاب سيرةً ذاتية، وإلى أيّ مدى يُعدّ عملاً أدبياً؟ أحياناً أُدلي بإجابات معقولة، ولكن إن شئتَ الصراحة أعتقد بأنني لا أدري. أنا أكتب وأحاول استخلاص خير ما في ذاتي، فيظهر ذلك على الصفحة، ولا أدري إن كان خيالاً أو حقيقة".
ولم يترك بيلاس تفصيلاً في حياة والديه وحياته وابنه إلا وقدّمه مع تفسيرات وافرة، لكنّه مع ذلك يصف هذه الدفاتر المخزَّنة في كبسولة الزمن بأنها "شديدة الحميمية"، إذ تتضمّن تفاصيل من قصّة حبّه مع طليقته الكاتبة آنا ميرينو، وتسجيلات منزلية لقراءاته ولقاءاته مع كتّاب آخرين، وكذلك لتعثر البدايات وشكوكه وانفعالاته. ويذكر في الرواية إشارةً إلى فكرة الكبسولة الزمنية بوصفها قبراً: "كانت هناك رسائل باهتة، رسائل حبّ قديم، رسائل شباب رقيقة، رسائل من أم ابني التي كانت زوجتي. قلت لابني أن يضعها في صندوق الذكريات. وهناك أودعنا صور أبي وحافظة أمي. فبات الصندوق ضرباً من ضروب مقابر الذاكرة. لم أقدر على إطالة النظر إلى تلك الأشياء، ورحت أتلمّسها بحب وألم". لا يكتفي بيلاس بكشف أحداث حياته، بل يعترف بسياقاتها ويسخر منها ومن نفسه وعائلته والعالم، لكن بعمقٍ صادق. مثل قوله: "بعد طلاقي الذي وقع منذ عام، وإن لم يكن التوقيت معروفاً لأنه عملية لا تاريخ بعينه. لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار تواريخَ كثيرة ذات دلالة: يوم تُفكِّر في الأمر للمرّة الأولى، وللمرّة الثانية، ثم تتراكم المرّات، وتتفاقم الأحداث المفعمة بالخلافات والأحزان التي تؤكّد ما فكّرتَ فيه، وأخيراً ترحل عن بيتك". "ثم بتُّ أنا الرجل الذي كنته قبل أعوام طوال خلت". الرجل الذي تعلّم التنظيف بعد طلاقه، واضطر (حسب تعبيره) لشراء ممسحة ومنظّفات. يمكن أخذ الملاحظة استعارةً ساخرةً للتخلّص من شوائب حياته وبقايا الماضي، لكن امرأة تقرأ الرواية ستشعر بالتذمّر، لأنه لم يكن ينظّف حين كان متزوجاً، رغم أن زوجته كانت كاتبة. ولعلّهما استعانا بمَن ينظّف، والآن بعد أن صار وحيداً لم يعد ثمة داعٍ للاستعانة بخدمات تنظيف، لأن الأسرة انفكّت، ولم يعد من أحد سوى رجل وحيد عليه أن يعتني بنفسه.
ليس بيلاس الوحيد الذي يصرّ على نشر رسائل زوجته ليفهمه الناس ولو بعد حين. فهو قال إنه خبّأها لزمنٍ آخر بحيث يخلّص الاطلاعَ عليها من دافع الفضول. هل يتقادم الفضول؟ لكنّه ليس الوحيد الذي يجد أن رسائله إلى امرأة أمرٌ مهم ليفهمه الآخرون. فالفيلسوف المجهول لوي كلود دو سان مارتان، بطل رواية "رغبة" للروائي الفرنسي فيليب سولرس (نقلها إلى العربية عيسى مخلوف، دار الرافدين، بغداد، 2022) مرّ بـ"اضطرابات تاريخية هائلة محاطاً بهدوء سماوي. فهو يشعر حيثما حلّ بحالة من السلام الداخلي، كما لو أنه يستفيد من نعمة عالية". "ثمّة سيدة معروفة بالحرف الأول من اسمها (باء) لديها الكثير لتقوله عن تلك النقطة... فأخذ الفيلسوف يحتفظ برسائل الحبّ الخاصة به، بل ينشرها، لينمّي جزأه المجهول". لكن المفارقة أنه يريد تكثيف الجزء المجهول عنه لدى القراء، على عكس بيلاس، الذي فعل ذلك ليكشف المزيد ممّا لم يكشفه، في تعلّقٍ مهووس بكتابة حياته لحظةً بلحظة.