كباش العواصم اللبنانية السبع

كباش العواصم اللبنانية السبع

15 ديسمبر 2020
+ الخط -

قبل أن يُعهد في لبنان إلى سعد الحريري مهمة تأليف حكومة إنقاذ إصلاحية، ويشتدّ، إثر ذلك، سجالٌ داخلي أكثر احتداماً من ذي قبل، حول الأولويات والمصالح الفئوية، فأنت حين تُطلّ على المشهد اللبناني من الخارج، عبر المواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية، ترى ما يسرّ الخاطر وما يبعث على الملل معاً، حيث تُصادف الغثّ والسمين، القبح والجمال، الحامض والحلو، والعجب العجاب في كل شأن من شؤون البلد الصغير، من الحيوية ولين العريكة وأجواء الحرية، إلى العناد والفساد والعصبية الطائفية، وحدّث ولا حرج عن الانهيارات على كل صعيد.
ولا أحسب أن إحاطة عاجلة كهذه، يمكنها أن تشخّص ماهية الصورة اللبنانية في هذه الآونة، ولا أن تلمّ بأبعادها الكاملة. وهذه، على أي حال، ليست الغاية من هذه المطالعة، المقدّر لها أن تطوف على مظاهر فارقة، وتعرّج على ظواهر لافتة، كي تُضيء على بواطنَ لا تُرى بالعين المجرّدة من قرب، وتجلو كنه بعض الالتباسات، وذلك على قاعدة أنه كلما ابتعدت عن المشهد تمكّنت من رؤيته على نحو أشمل وأوضح، تماماً على نحو ما نحن بصدده في هذه المقاربة المشفوعة بحُسن النية.
والحق، أن كاتب هذه السطور تروقه كثيراً الإطلالة شبه اليومية على الحالة اللبنانية المتغيرة كل يوم بيوم، وإمعان النظر في تفاصيلها الدقيقة ما أمكن، ليس بدافع من حنينٍ إلى ماضٍ مضى، وذكرياتٍ شخصيةٍ حميمةٍ عن البلد الذي عاش فيه عقداً فحسب، بل لأن الوقوف على شرفات تلك المنصّات الإعلامية المتنوعة، يطيب للنفس حقاً، ويمتّعها بمشاهدة ما لا نظير له في معظم ما يجول عليه الكاتب القلق من مواقع مشابهة في منابر البلدان العربية. حتى إنك حين تدلف إلى إحدى المنصّات تشعر بأنك قد دخلت إلى قاعة فسيحة، ذات سقفٍ عالٍ، مضاءة ومكيّفة على نحو جيد، مؤثثة بأناقة ومريحة للقعود، ما طاب لك ذلك؟
ولعل أول ما تقع عليه عين المراقب المشفق على شعبٍ تعاقبت عليه المصاعب، وتكالب عليه اللئام، أن اللبنانيين المثقلين بهموم حياتية لا حصر لها، وتهديداتٍ تخاطب مصيرهم المشترك بإلحاح، لا يعرفون قيمة الوقت الممعن في لحمهم الحيّ مثل حدّ السيف، بل يتفننون في تصريف هذا الوقت بكل طريقةٍ ممكنة. وبعد ذلك، يختلفون فيما بينهم بشدّة على كل شاردة وواردة، ويتجادلون بمرارة، لا على ضرورة الخروج من قعر الهاوية السحيقة، بل على المغانم اللاحقة، ولا يكفّون أبداً عن الكباش داخل جدران بيتٍ مزعزَع ومفتوح على الريح.
ويبدو أن قادة الطبقة السياسية اللبنانية يعتقدون أن بلدهم مركز الكون كله، ومحور اهتمام الشرق والغرب، وأن الدنيا كلها مشغولة بهم، بما في ذلك كيفية إغداق الأموال عليهم بلا حساب، وأنه ينبغي للأعداء والخصوم والأصدقاء تفهّم خصوصية بيئتهم الفريدة من نوعها، ومن ثمّة القبول باستثنائية منظومتهم السياسية القائمة على ما يسمّونها باعتزاز "الميثاقية الدستورية والديمقراطية التوافقية"، حتى إن أحد الكتاب اللبنانيين المخضرمين قال ساخراً، ذات يوم بعيد، إن اللبنانيين يعتقدون أن قادة العالم لا يهدأ لهم بال، ولا يغادرون مكاتبهم في الليل، إلا بعد أن يفرغ آخر لبناني من سهرته المتأخرة، ويعود آمناً إلى بيته.
وفيما لكل بلد مستقل عاصمة واحدة، يبدو لبنان وحده بعدة عواصم، ليس كصيدا في الجنوب مثلاً، وطرابلس في الشمال، بل هناك حاراتٌ وبناياتٌ وضواحٍ تحوّلت، مع الوقت، إلى عواصم ذات سيادة، بعضها أكثر أهمية من العاصمة الرسمية بيروت (السرايا الحكومية)، حيث بات لكل منها علم ونشيد وحرس شديد، كضاحية بعبدا (مقر الرئيس) وحارة حريك (مقر حزب الله) ومعراب (القوات اللبنانية) وميرنا الشالوحي (التيار العوني) وبيت الوسط (تيار المستقبل) والمختارة (وليد جنبلاط) وعين التينة (حركة أمل)، وكلها مقرّات حزبية للسبعة البررة الذين يستقبلون فيها الدبلوماسيين، ويحكمون منها لبنان.
من غير استغراقٍ في مزيد من النقاش، واستقصاء كثير من المعطيات، يمكن القول بتحفظ إن هذا الكباش المفعم بالحساسيات المذهبية والحسابات الشخصية، والولاءات الخارجية، بين العواصم السبع في بلاد الأرز، ومن خلفها زعامات المنظومة المتنازعة على الحصص والوزارات ونهب المال العام، هي المسؤولة، بدرجةٍ أعمق من غيرها، عن تحوّل بلد الحرية والتنوّع والتعدّدية الى مرتعٍ خصبٍ للفساد والفشل والإفلاس.