كابوس التعذيب المستمر في تونس

18 ابريل 2021
الصورة

وقفةفي العاصمة تونس لمناهضة التعذيب على أيدي الشرطة 15/10/2014 (الأناضول)

+ الخط -

ربما كشفت احتجاجات يناير/ كانون الثاني الماضي في تونس العاصمة، وسوسة، والمنستير، مجدداً عن استمرار ممارسة التعذيب بين جدران المؤسسات الأمنية، فمنذ بدء التوقيفات، سارعت عائلات، ومعها محامون، إلى إدانة الانتهاكات التي مورست على المحتجين، ولم يسلم منها أطفال جرى توقيفهم على خلفية تلك الأحداث العنيفة، والتي تقول الداخلية إنّ "عصابات إجرام" دفعت عديدين منهم إلى تخريب ممتلكات عامة. كما سُجلت وفيات مثيرة للارتياب، في مراكز أمن (في صفاقس مثلاً)، يتهم فيها أقارب الضحايا قوات الأمن باستعمال العنف المفرط الذي نجمت عنه تلك الوفيات.
دعا مجلس نواب الشعب (البرلمان)، على خلفية هذه الأحداث المتكرّرة، رئيس الهيئة الوطنية المستقلة لمكافحة التعذيب، فتحي الجاري (أستاذ جامعي في علم الاجتماع)، إلى حضور جلسة برلمانية، لتدارس ما يحدث، واتخاذ مبادرات تشريعية من شأنها أن تحاصر التعذيب. ونبّه الرجل إلى خطورة حالة تساهلٍ أبدتها السلطات التونسية تجاه ممارسات عنيفة ارتكبها البوليس تجاه المحتجّين، بمن فيهم الأطفال، وأطلقت لاحقاً يد البوليس في التعامل مع المواطنين، ومنهم إعلاميون وأطباء عاطلون من العمل. وفي الجلسة، قال الجاري إنّ ما جرى ويجري في أكثر من مكان مخالف للقوانين التونسية والدولية، خصوصاً أنّ الدستور ينص على حرمة الجسد ويجرّم كلّ أشكال التعذيب، والجريمة التي لا تسقط بالتقادم. ومع أهمية ذلك، يؤكّد نشطاء حقوقيون أنّ قوانين في هذا الشأن يُفترض أن تصدر ما زالت معطّلة تحت ضغط النقابات الأمنية (استثناء تونسي محض في محيطها العربي)، ما يجعل الفشل مآل أيّ جهد وطني لمكافحة هذا الداء الذي قضى على آلاف الضحايا وشوّه ذاكرة التونسيين قبل الثورة، حين أصابها بمختلف الأمراض النفسية، ما لم يجرِ تجاوز هذه المعضلة.

ثقافة الحرمة الجسدية لم تتحوّل بعد إلى مرتبةٍ مقدّسة في ثقافتنا، فأشكال العنف ما زالت جارية

وعلى الرغم من أنّها أفلحت في إرساء الهيئة الوطنية المستقلة لمكافحة التعذيب، وعلى الرغم من جهودٍ كبيرةٍ بذلتها، ما زالت تونس عاجزةً بمفردها عن مكافحة غول التعذيب، لأسبابٍ عدة لا يمكن ردّها الى مجرّد شحّ الموارد البشرية والمالية التي كبّلت مساعيها، وجعلتها تعجز عن مراقبة ممارسات التعذيب التي تجرى غالباً في مكاتب وسراديب مغلقة، لا تُفتح إلّا نادراً لزيارات منظمات وطنية ودولية معنية بحقوق الإنسان، ذلك أنّ ثقافة الحرمة الجسدية لم تتحوّل بعد إلى مرتبةٍ مقدّسة في ثقافتنا، فأشكال العنف، بل التعذيب والاعتداء على أجساد الأطفال في فضاءاتهم العائلية أو التربوية، ما زالت جارية، وإن تراجعت في السنوات الأخيرة، ما يؤكد أن نواة صلبة في الثقافة المجتمعية في تونس تقاوم كلّ التغييرات والتشريعات.
تحدث معظم عمليات التعذيب عند توقيف المواطنين باختلاف الشبهات المنسوبة؛ عنف بين جيران، وسرقات، وغيرها، إذ لا تقتصر على القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني، ما يؤكّد، مرة أخرى، أنّ الأمر لا يُختزل في أبعاد قانونية ومؤسساتية، بل في نمط الثقافة الذي تدرّب عليه الأمنيون، والتمثلات التي يحملونها عن المواطنة وحقوق الإنسان تحديداً، فعلى الرغم من الثورة والجهود التي بُذلت، بالشراكة مع منظمات وهيئات أممية، لإعادة تشكيل صور الأمنيين لدى المدنيين، تحديداً الخارجين عن القانون، فإنّ كثيرين منهم ما زالوا يعتقدون أنّ من يقعون بين أيديهم، ممن ارتكبوا جرائم، وإن على سبيل الشبهة هم "فريسة" فقدوا حقوقهم، بل وجازت معاقبتهم قبل الأوان، والحال أنّ العقاب مهمة القضاء. وفي تصريحاتٍ كثيرةٍ قدّمها الأمنيون إلى خبراء أجانب، يؤكّدون أنّ ترهيب المواطن إلى حدّ الرعب، وهو جزء من تقنية التحقيقات الأمنية التي تعلموها، ركن من عقيدة أمنية ترى في المواطنين عدواً، وجب إذلاله والتنكيل به، حتى تظلّ المؤسسة الأمنية مُهابة.

هناك مقارباتٌ جديدةٌ تقدّمها العلوم الأمنية، للوصول إلى الحقيقة، تقتضي الاستثمار في المهارات المعرفية والتقنية والنفسية وكثير من التكنولوجيا

أجساد الموقوفين، بقطع النظر عن طبيعة الجُرم المرتكب، وليمة لآلة التعذيب الرهيبة، من أجل نزع الاعترافات، وإن في قضايا شجار أو سرقات بسيطة، فالدرس الذي لم يستطع الأمنيون نسيانه، على الرغم من الثورة، هو "عنّفْ وعذّبْ تحصلْ، لا محالة، على الاعتراف بأقل جهد وسرعة". وذلك ما ساهم في استفحال التعذيب، خصوصاً في ظلّ حالةٍ من الإفلات من العقاب والتواطؤ الذي يبديه الأمنيون بعضهم مع بعض، بل والتضامن القوي الذي يؤكّدون به وحدتهم، ما إن يجرى رفع قضية على المعتدين منهم، وذلك ما يدفعهم إلى مواصلة التعذيب، واعتباره أكثر مردودية في التحقيقات الأمنية.
هناك مقارباتٌ جديدةٌ تقدّمها العلوم الأمنية، للوصول إلى الحقيقة، تقتضي الاستثمار في المهارات المعرفية والتقنية والنفسية وكثير من التكنولوجيا، من أجل معرفة الحقيقة، بعيداً عن الأساليب القروسطية، القائمة على استعمال التعذيب لاقتلاع الاعترافات، حتى لو كانت على حساب الحقيقة.
تردّ وزارة الداخلية عادة على هذه الانتقادات الحادّة بأنّ هذه الممارسات فردية، ولا يوجد في تونس بعد الثورة تعذيبٌ ممنهج تشرف عليه أجهزة الدولة. وما يحدث بين حين وآخر تجاوزات فردية، تقاومها بقرارات العزل لمن ثبت تورّطه أو إصلاح منظومة التعليم والتدريب في مختلف المدارس الأمنية. مع ذلك، أبدى المجتمع المدني بلاء حسناً في فضح هذه الانتهاكات، وتشكيل حلف مناهض لها.