كأنّها حكومة تصريف أعمال في المغرب

كأنّها حكومة تصريف أعمال في المغرب

12 يناير 2022

رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش (يسار) وسلفه العثماني بالرباط (8/10/2021/فرانس برس)

+ الخط -

بحلول منتصف يناير/ كانون الثاني الحالي، تكون قد مرّت مائة يوم على تنصيب حكومة رجل الأعمال، عزيز أخنوش، في المغرب. وعلى الرغم من قِصر هذه المدة التي يجعل منها مراقبون كثيرون مؤشراً لتقييم أداء الحكومات في العالم، فإنّ الحكومة الحالية في المغرب تكاد تكون الأقل إثارة للجدل، ليس بسبب أدائها الضعيف، بل لعدم اهتمام الناس بها إلى درجة أنّهم ينسون أنّه نُصِّبَت حكومة جديدة في المغرب بعد انتخابات سبتمبر/ أيلول الماضي. مع ذلك، تبقى هذه الحكومة استثنائية في كلّ شيء، فقد اجتمع لها ما لم يجتمع لسابقاتها من أسباب النجاح، لكونها تتكون من أغلبيةٍ تجمع ثلاثة أحزاب فقط، تلتقي كلّها في أنّها أحزاب قريبة من القصر، هي التجمع الوطني للأحرار، قائد الحكومة، أسّسه نهاية سبعينيات القرن الماضي أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، والأصالة والمعاصرة، الذي أسّسه صديق الملك الحالي محمد السادس ومستشاره، فؤاد عالي الهمة، عام 2007، والاستقلال، أعرق حزب مغربي، وريث الجناح المحافظ داخل الحركة الوطنية المغربية الذي يحظى تقليدياً بعطف القصر عليه. كذلك تتمتع بأغلبية جد مريحة، لم تتحقق لأغلب الحكومات السابقة، بالإضافة إلى أنّ فريقها لا يتعدى 25 وزيرة ووزيراً، وهو بذلك يعتبر أصغر فريق حكومي في تاريخ الحكومات المغربية. ومن دون أن ننسى أنّ رئيسها شخصية مقرّبة من الملك، تصفه الصحافة المحلية بأنّه "صديق الملك" لن يجد أمامه عراقيل كثيرة واجهت سلفيه الإسلاميين اللذين قادا الحكومتين السابقتين، عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، وكان شغلهما الشاغل الحصول على ثقة القصر ورضاه، حتى فرّطا بثقة الناس بهما وبحزبهما. وأخيراً، هذه أكثر الحكومات حظاً، لأنّها لا تجد أمامها معارضة قوية داخل البرلمان، بل معارضات مشتتة من أحزاب منهكة وأخرى صغيرة أغلبها "إدارية"، وهو تعبير قدحي يطلق في المغرب على الأحزاب المرتبطة بوزارة الداخلية، الذراع السياسية للدولة العميقة.

الحكومة الحالية أكثر الحكومات حظاً، لأنّها لا تجد أمامها معارضة قوية داخل البرلمان، بل معارضات مشتتة من أحزاب منهكة وأخرى صغيرة أغلبها "إدارية"

لذلك، كان واضحاً منذ اليوم الأول لتنصيب هذه الحكومة، أنّ المعارضة الحقيقية لها ستكون من الشارع وفي الشارع، وعبر وسائط التواصل، وقد طاولتها منذ تعيينها انتقاداتٍ كثيرة، سواء نتيجة قمعها الحركات الاحتجاجية التي خرجت للتعبير عن تذمّرها من تدهور الأوضاع الاقتصادية والحقوقية في المغرب، أو بسبب قراراتٍ متسرّعة صادرة عن وزرائها قليلي التجربة، أو لتصرّفات غير محسوبة أو تصريحاتٍ غير معتادة صادرة عن أعضائها، لكن أغلب الانتقادات هي التي تواجه رئيس الحكومة، رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي يختزل، بالنسبة إلى كثيرين من منتقديه نموذج اقتصاد الريع القائم على الزواج غير الشرعي بين السلطة والمال، وقد سبق أن كانت شركاته موضوع مقاطعةٍ شعبيةٍ واسعة عام 2018، بسبب الزيادات في الأسعار التي فرضتها على منتجاتها، خصوصاً في قطاع المحروقات الذي يعتبر حيوياً في تحريك عجلة الاقتصاد، وهو ما عرّض الرجل لحملة انتقادات كبيرة، وخصوصاً بعد أن كشف تقرير برلماني استفادة شركاته من أرباح طائلة حصلت عليها بطريقة غير أخلاقية.

وطاولت الانتقادات أيضاً زعيم الحزب الثاني داخل الأغلبية الحكومة، المحامي عبد اللطيف وهبي، وهو شخصية مثيرة للجدل، بسبب تناقض مواقفه وتذبذبها، يقول الفكرة ويأتي بنقيضها في الآن نفسه، مندفع ومتسرّع في إصدار الأحكام، يعاني من الإفراط في الحركة إلى درجة تُشتّت انتباهه وانتباه الآخرين لأفعاله وأقواله. سبق له أن عبّر مراراً وتكراراً عن مخاوفه من تضارب المصالح الخطير الذي ينطوي عليه تولي رجل أعمال منصب رئيس الحكومة، كذلك أعلن أكثر من مرّة رفضه المشاركة في حكومةٍ لا يقودها حزبه، لكنه سرعان ما ارتمى في أحضان الحكومة الحالية، وأصبح يحلّل على نفسه وعلى حزبه ما كان يحرّمه بالأمس على نفسه، وعلى غيره. أما حزب الاستقلال الذي فقد الكثير من وهجه حزباً وطنياً عريقاً محافظاً، فتحوّل إلى نادٍ للأعيان والتكنوقراط تحرّكهم مصالحهم الخاصة، ومستعدّون لتقديم كل التنازلات من أجل بقائهم في مناصبهم الحكومية.

من يحكم في المغرب هي "حكومة الظل"، المكوّنة من الشخصيات النافذة داخل المربع الملكي

وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات وغيرها التي طاولت وزيرات ووزراء، سواء بسبب قلة التجربة أو المحسوبية وتعيين الأزواج والزوجات والأقارب داخل دواوين الوزارات، إلا أن ما يجعل هذه الحكومة لا تثير اهتماماً كثيراً، كونها جديدة قديمة، بما أن ثلثها من التكنوقراط عيّنهم الملك، وكلهم شاركوا في الحكومات السابقة، بالإضافة إلى أنها تتشكّل من حزبين ظلا يوجدان في أغلب الحكومات التي تعاقبت على حكم المغرب منذ استقلاله، "الاستقلال" و"التجمع الوطني للأحرار". وبالتالي، ليس من المرجّح أن تأتي بتغيير سياسي يشكل قطيعةً مع إرث الحكومات السابقة، خصوصاً الحكومتين اللتين قادهما حزب العدالة والتنمية، الإسلامي، طوال الولايتين السابقتين، قبل أن يشهد هذا الحزب أكبر انتكاسة انتخابية نتيجة تصويت عقابي ضدّه، عندما لم ينجح في تمييز نفسه عن الأحزاب التي سبقته في قيادة إدارة الشأن العام في المغرب، مع استثناء تجربتين حكومتين استثنائيتين، ترأستها شخصياتٌ يساريةٌ في نهاية خمسينيات القرن الماضي وتسعينياته.

الحكومة الحالية هي استمرارية للحكومات السابقة، وهي بمثابة حكومة تصريف أعمال، ووزراؤها أقرب إلى الموظفين الحكوميين منهم إلى الوزراء السياسيين، رئيسها عزيز أخنوش كان وزيراً تكنوقراطياً في كلّ الحكومات التي عرفها المغرب منذ عام 2007. أما حزبه، التجمع الوطني للأحرار، فظل يشارك باستمرار في أغلب الحكومات التي عرفها المغرب منذ 1977، حتى تحوّل إلى "صانع الملوك" داخل كل الحكومات، إلى درجة أنه وضع عام 2016 "فيتو" ضد دخول حزب الاستقلال الحكومة آنذاك، فقط لأن رئيس هذا الحزب كان مغضوباً عليه من القصر. واليوم، بعد أن تغير زعيم الحزب، أصبح حليفه داخل الأغلبية الحكومية الحالية!

الواقع في المغرب أنّ تغيير الحكومات، حتى لو كانت منبثقة من صناديق الاقتراع، لا يلعب أيّ دور كبير في التأثير بالمبادئ والتوجيهات الكبيرة للدولة التي غالباً ما يحدّدها القصر الملكي. ولا تخرج الحكومة الحالية عن "القاعدة"، بما أنها تبنّت، منذ تشكيلها، تقرير لجنة ملكية، بمثابة برنامجها الاقتصادي والاجتماعي. ويتعلق الأمر بتقرير أعدته لجنة عيّن الملك أعضاءها وكلفها إعداد نموذج تنموي جديد للمغرب للسنوات المقبلة. وصدر التقرير في إبريل/ نسيان من العام الماضي. وتقول الحكومة الحالية إنه أساس برنامجها الحكومي خلال سنوات ولايتها، والمرجّح أنّ هذا "البرنامج" الذي روّجه القصر الملكي مصمّم للاستمرار حتى عام 2035.

يفقد الشارع المغربي ثقته يومياً بشرعية الأحزاب التي تدّعي تمثيله داخل المؤسسات المنتخبة

ومعروف أنّ من يحكم في المغرب "حكومة الظل"، المكوّنة من الشخصيات النافذة داخل المربع الملكي، وتتحكّم في رسم الخريطة السياسية وتشكيلها، وفي تكوين الأغلبيات الحكومية، وفي اختيار من يقودها، بحيث يكون مطواعاً يتّبع التوجيهات المرسومة مسبقاً، ويستجيب لكل التغيرات الطارئة الصادرة عن غرفة القيادة داخل حكومة الظل. لذلك، لا تتغير السياسات في المغرب على الرغم من تغير الحكومات، وأقصى ما تأتي به الانتخابات، التي تجري بانتظام كل خمس سنوات، تناوب الأحزاب، وليس تغيير السياسات أو تجديدها، وهي التي لم تتغير منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وفي كلّ المجالات، ولن تشذّ الحكومة الحالية عن القاعدة المتوارثة. لذلك، لا يتوقع أن تُحدث التغيير الموعود في حياة الناس المعيشية، ولن تكون هناك، على الأرجح، أي تغييرات ملموسة، حتى على مستوى المبادرات المحلية الصغيرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، بما أنّ التوجهات السياسية الكبرى للحكومات تحدّدها حكومة الظلّ، ومجال السياسة الخارجية يبقى محفوظاً عرفياً للملك. ومن مراقبة تجربة الأشهر الثلاثة الماضية، اتصف أداء الحكومة بأنه باهت، وصاحبته أخطاء جسيمة، وهذا من مؤشرات أرسلت رسائل سلبية إلى الشارع المغربي الغاضب. ومن شأن تكرار هذه الأخطاء وتدني الأداء الحكومي، مقارنةً بحكومات سابقة، كانت على الأقل مثيرة للجدل، وبالتالي تنعش الحياة السياسية الراكدة في المغرب، أن يؤدّي إلى تبلور معارضة قوية داخل الشارع الذي يفقد ثقته يومياً في شرعية الأحزاب التي تدّعي تمثيله داخل المؤسسات المنتخبة، وفي مقدمتها الحكومة.