... كأنها آثار إيجابية للوباء؟

20 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

كانت لكثيرين منذ عام توقعاتٌ بخصوص جائحة كورونا، فجائحات مماثلة وأوبئة كان لها دور كبير في تغيير العالم، وتعديل أنماط اقتصادية وأنساق دولية عديدة وقتها، مثل وباء الطاعون الأسود، على الرغم من كارثيته، إذ أدت وفاة تلك الأعداد من البشر والفلاحين والأيدي العاملة في بقاع عديدة في الكرة الأرضية إلى تغيراتٍ وأحداثٍ كثيرة أدّت إلى مزيد من الحريات الاقتصادية، وحرية التملك التي أدت بدورها إلى ظهور طبقات سياسية جديدة، كان لها دور كبير في عصور تالية. ولكن بعضهم أيضا كان يرى أنه لن تحدث تحولات عالمية جذرية أو نقاط فاصلة جديدة بسبب كورونا، ولكن على الأقل سيكون هناك اختلاف كبير في أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية، وكذلك في السياسة والاقتصاد.
ولكن هزيمة الرئيس الأميركي السابق، ترامب، أعادت القول إن جائحة كورونا سيكون لها دور كبير في تغيير العالم، ربما إلى الأحسن، فعلى الرغم من خسارته الانتخابات، إلا أنه كان أقرب إلى الفوز، لولا أدائه السيئ خلال جائحة كورونا وتعاطيه معها، وهذا يفسّر تلك النسبة الكبيرة من التأييد التي لا يزال يحظى بها في المجتمع الأميركي، على الرغم من جنونه وعنصريته، وحماقته أحيانا، فمرشح الحزب الديمقراطي، جو بايدن، لم يكن بالقوة الكافية ليستطيع هزيمة ترامب، لولا تدخل كورونا وأداء ترامب المزري وسخريته من الجائحة، وقلل من خطورتها، ما جعل الولايات المتحدة هي الأكبر في عدد الإصابات والوفيات على مستوى العالم.

حسابات دوائر الحكم العربية كانت تعتمد على بقاء ترامب فترة ثانية، وربما ثالثة، كما كان ترامب يخطط، اعتمادا على حيلٍ كان ينوي تنفيذها

ترى كتابات أن ترشيح الديمقراطيين جو بايدن، على الرغم من ضعفه، كان أيضا بسبب توقع فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية، كما جرى العرف في السياسة الأميركية مراتٍ، كما أن حسابات دوائر الحكم العربية كانت تعتمد على بقاء ترامب فترة ثانية، وربما ثالثة، كما كان ترامب يخطط، اعتمادا على حيلٍ كان ينوي تنفيذها، ولكن فوز بايدن ربما كان مفاجئا لأنظمة عربية عديدة حليفة لترامب. ولذلك يرى بعضهم أن لجائحة كورونا دوراً كبيراً في ذلك التغيير المفاجئ، وهبوط أسهم دونالد ترامب أمام منافسه الذي لم يكن على المستوى المطلوب من القوة.
بالطبع، لا يمكن تجاهل دور المؤسسات العميقة (establishments)، والتي ارتعبت كثيرا من أداء ترامب وشطحاته غبر المدروسة، وإمكانية توريط الولايات المتحدة في عدة حروب، فهذا الرئيس لم تكن لديه مشكلة في استخدام أنصاره العنف من أجل مساندته، وليست لديه مشكلة في إحداث انقسامٍ كبير في المجتمع الأميركي، بالإضافة إلى التقارير التي تحدثت عن نوايا لدى ترامب لاستخدام كل الحيل والأساليب، من أجل البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة، مثلما يفعل حكام الأنظمة السلطوية، فذلك التمسك العلني بالسلطة، وذلك الأداء السلطوي، كرؤساء دول العالم الثالث وجمهوريات الموز، كان سيضرب النقطة الوحيدة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في قيادتها العالم، بأنها هي القائدة لدول العالم الحر والراعي الرسمي للديمقراطية في مواجهة الأنظمة الاستبدادية.
المُلاحظ أنه كان نقطة جوهرية وضحت في حادث اقتحام أنصار ترامب الكونغرس، أن دولة المؤسسات الراسخة من الصعب أن تتحول إلى دولة حكم الفرد، وهذا هو الفرق ببن مصطلح دولة المؤسسات الحقيقية ودولة الفرد التي تحاول الإيحاء بأنها دولة المؤسسات، ففي دولة المؤسسات الحقّة لا يستطيع الرئيس الانفراد بكل القرارات، بل هناك مؤسساتٌ تستطيع منعه أو تعديل القرار، ربما يكون هناك صراع وشد وجذب بين المؤسسات، ولكنّ هناك إطارا دستوريا وقانونيا لذلك الصراع، حتى يظل في الشكل السلمي، والذي يحافظ على استمرارية الدولة على الرغم من صراعات المؤسسات وتصادمها.

في دولة المؤسسات يجري انتقال السلطة بسهولة بعد انتهاء الفترة الرئاسية أو بعد وفاة رأس السلطة، قد تحدُث صراعاتٌ أو مواءماتٌ ما، لكن لا يحدث انهيار للدولة

يرى أنصار السلطوية وحكم الفرد أن دولة المؤسسات أضعف بسبب إمكانية صراعات المؤسسات والسلطات، أو بسبب تعطل (وتأخر) القرارات الناتجة عن النقاشات والتجاذبات واختلاف الآراء، ولكن التجارب التاريخية أثبتت أن دولة المؤسسات والديمقراطيات الراسخة هي الأقوى، ففي دولة المؤسسات يجري انتقال السلطة بسهولة بعد انتهاء الفترة الرئاسية أو بعد وفاة رأس السلطة، قد تحدُث صراعاتٌ أو مواءماتٌ ما، لكن لا يحدث انهيار للدولة، عكس دولة الفرد التي قد تنشب فيها صراعاتٌ عميقةٌ بعد اختفاء رأس السلطة أو وفاته، ما قد يؤدّي، أحيانا، إلى فوضى أو حروب أهلية، كما أن السلطويات وتركز الحكم في يد فردٍ يجعل هذا الموقع هو محط صراعات، فقد تحدث انقلابات عسكرية أو اغتيالات، خصوصا في غياب وسيلة سلمية لتداول السلطة أو التغيير.
وفي دولة المؤسسات، تظل كل الأجهزة في تنفيذ المشروعات والمخططات طويلة المدى، حتى بعد انتهاء فترة رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، لا يتذرّع فيها أنصار رأس السلطة بضرورة بقائه مدى الحياة، حتى ينتهي من تنفيذ كوبري (جسر) أو طريق أو مشاريع خدمية أو استثمارية، أما في دولة حكم الفرد تكون الذريعة دائما لاستمراره هي ضرورة أن يستكمل المشروعات التي بدأها، فالدولة والمؤسسات والأجهزة التنفيذية مدمجة في الفرد، والفرد هو الدولة والمؤسسات والأجهزة التنفيذية، يحاول إعلامه الإيحاء بأن رحيله أو تغييره سيدمّر الدولة.

من يتم محاسبته هو من قام بالتخريب والسرقة فعليا، وتكون العقوبات في إطار الغرامات، وربما يكون هناك احتجاز مؤقت لبعض قادة المتظاهرين

ملاحظة أخرى على هامش تظاهرات أنصار ترامب، وتساؤلات أثارها ناشطون وإعلاميون أميركان، وهو كيف كان هذا التسامح في البداية مع اقتحام مبنى الكونغرس؟ وهل كان سيكون الحال بالمثل لو كان المتظاهرون من السود أو الأقليات؟ يرى بعضهم أنه كان هناك في الشرطة من سمح بذلك لهدفٍ ما، ولكن في الوقت نفسه أيضا حتى بعد التحقيقات التي تم فتحها بعد تأكد هزيمة ترامب لا نرى تلك الأحكام المجحفة والرغبة في الانتقام التي نراها في مجتمعاتنا في التعامل مع التظاهرات. فمن يتم محاسبته هو من قام بالتخريب والسرقة فعليا، وتكون العقوبات في إطار الغرامات، وربما يكون هناك احتجاز مؤقت لبعض قادة المتظاهرين اليمينيين عند التحريض على أعمال عنفٍ جديدة، ولكن لا نرى أو نسمع عن تلك الأحكام القاسية بالسجن سنوات طويلة، أو ذلك الحبس الاحتياطي المفتوح الذي نراه في مجتمعاتنا.
وبشأن حذف منصات التواصل الاجتماعي وموقعي تويتر وفيسبوك حساب الرئيس دونالد ترامب، أو إيقافه، بحجّة تحريضه على العنف، فإن أنصار اليمين في العالم وأنصار السلطوية في مجتمعاتنا يعتبرون ذلك دليلاً على مؤامرة الدولة الأميركية العميقة ضد ترامب، وأن الجميع في الولايات المتحدة وخارجها يتآمرون ضد ترامب، وإن كان هذا الأمر بالفعل أثار جدلا واسعا حتى داخل أوساط النشطاء، ليس من منطلق المؤامرة التي يتبنّاها أنصار اليمين والسلطويات، ولكن هذه المرة من زاوية هل يحق لمواقع التواصل الاستباق وإغلاق الحسابات عند اعتقاد أنه قد يستخدم في التحريض على عنف؟
وفي نهاية المطاف، يمكن القول إنه على الرغم من المآسي والسلبيات التي جلبها وباء كوفيد 19، وعلى الرغم من كل تلك الآثار الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه يمكن النظر إلى نصف الكوب الممتلئ وبعض الآثار الإيجابية، وأهمها خسارة ترامب الانتخابات الأميركية، وكل ما يمكن أن ينتج عن ذلك.