كأس للمزاج العربي المشترك

كأس للمزاج العربي المشترك

20 ديسمبر 2021
+ الخط -

حمل كأس العرب الذي نجحت دولة قطر في إقامة بطولته، رمزيةً عميقةً في تقارب الشعوب العربية التي تتحارب في ساحاتها الأنظمة. كانت جميع الشعوب العربية في أمسّ الحاجة إلى هذا البعد الرمزي. لذلك تعتبر البادرة القطرية مقدّرة في هذا السياق، وبعمقٍ، من مختلف الشعوب العربية التي تابعت "المونديال العربي" بحبّ، وبعاطفة هي في الأصل عاطفة شوق وحنين إلى هذا التجمّع الشبيه بتجمّع عائلي بين شعوبٍ، توثقها لغة وثقافة وذاكرة مشتركة، فبعد أن كنا نشجّع الفرق العربية ضمن مجاميع متفرّقة، كما يحدُث في كأسي آسيا وأفريقيا، أصبحنا الآن نتابعها في سياقٍ واحدٍ مشترك. وعلى الرغم من وجود كأس للخليج، إلا أنها تشكّل ملمحا مختصرا، أو متقارب الملامح، على اعتبار التشابه في العادات والتقاليد. بينما كان المهم جمع الفسيفساء العربية المتنوّعة والثرية في محيطٍ واحد، وهو ما وجدناه في كأس العرب، من خلال الجمهور الذي وجد ساحةً قطريةً تجمعُه من صلالة والمنامة إلى طنجة. لذلك نحن أمام كأسٍ يشكله الوطن العربي كاملا، بتنوّع مخزونه الثقافي والبشري وثرائه وتعدّده، فكانت هذه الكأس فرصةً كبيرةً لجمع هذا الشتات العربي في جو من الرياضة والحماس. لذلك يجب تعزيز هذه الفرصة ودعمها، في ظل تشرذم عربيٍّ أصبح مبعثا لليأس الشديد، فمن المهم أن تبقى هذه الروح مشتعلة، وتتجدّد بين فترة وأخرى ضمن جدولٍ زمنيٍّ ثابت منتظر، كما الحال في مختلف الكؤوس والدورات الكروية ككأسي أوروبا والعالم على سبيل المثال. كما أن اعتراف "الفيفا" بهذه الكأس فرصة سانحة للتطوير، والتأكيد على بقائه في مدار رياضي لعشاق الساحرة المستديرة ومزاوليها، كما أنه سيشكل فرصةً لعرض المواهب وتقييمها. لذلك يكون كأس العرب فرصةً مهمةً وضروريةً في هذا الزمن العربي الخطير الذي تعيشه الدول العربية، والمليء بالاختراقات الخارجية التي تعمل على تمزيق أي بوادر انسجام ووحدة وتكامل فيه، فقد عاش الوطن العربي عقدين أو أكثر صراعاتٍ خطيرةً، بغرض تأخيره وإضعاف شعوبه، لم تكن فقط الصهيونية والطموح الطائفي الإيراني فاعليه الوحيدين، بل كان صراع الأشقاء بين بعضهم بعضا أنكى وأمرّ.
جاءت كأس العرب لتبرهن على أن ثمّة أملا يومض في نهاية النفق، وأن القلوب العربية يمكنها أن تجتمع على منافسة جميلة توفرت لنجاحها كل السبل المتطورة والملاعب التي جرّبها اللاعبون العرب قبل غيرهم. لذلك كانت خطوة قطرية ذكية تمهد للحدث العالمي بحدث عربي أثبت نجاحة وحظي بمتابعة كبيرة. دورة استطاع فيها لاعبو الفرق أن يستعرضوا مهاراتهم بكل حرية وجدارة، كما حدث على سبيل المثال في مباراة الجزائر والمغرب. كما أن التنوع الجماهيري، والمتابعات المباشرة من الملاعب أو في المقاهي والبيوت، استطاعت أن تشيع صوتا متناغما منسجما، يؤكّد أن الدول العربية في الأساس عائلة واحدة تتوزّعها جغرافية أفقية مترابطة، كما ذكر محمد عابد الجابري في التسعينيات، في محاضرة بالنادي الثقافي في مسقط، وقد نقلته طائرة طارت به أفقيا من الرباط.
ومن ملاحظات يمكن التقاطها كذلك أنه، بسبب كأس العرب، يمكن للواحد أن يتابع ويشجّع بكل راحة من بداية الدورة حتى نهايتها، وبدون تشنّجات مبالغ فيها، أو تأثر بنتيجة قد تزعجه أو ترفع من ضغط دمه. فالجميع، وهذا ما أثبتته المنافسات الأخيرة في البطولة في الدوحة، في النهاية، إخوة، وإن فرقت ببعضهم السياسات.
أصبحت الرياضة إحدى ركائز الحضارة الحديثة، لا تختلف عن الثقافة والفنون. بل دخلت، مع الوقت، في دائرة هذه الفنون التي تقوم على إتقان الأداء والإبداع والتجديد. ناهيك عن أن الرياضة، نظرا إلى ما تحمله من فائدة صحية كبيرة، تساهم حتى في صحة العقل وتصفية المزاج.