قيس سعيِّد يستعيد سيرة العسكر

قيس سعيِّد يستعيد سيرة العسكر

07 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

بغضّ النظر عن مقولة كارل ماركس عن التاريخ واستعادته التي ستكون على شكل مهزلة، فقد غدت مكرّرة ومعادة كثيراً، ولكنها تخطر على البال فعلاً، وخصوصاً عندما يحاول بعضنا قراءة محاولات سياسيين عديدين استعادة حقبة ما من تاريخنا، بعيداً كان أم قريباً، تأثراً بما كانت عليه تلك الحقبة من تقدّم وازدهار، أو باستعادة شخصية ما، كانت قد أنجزت فعلاً إيجابياً سجّله التاريخ لها، مع التأكيد أنْ لا شخصية عربية في تاريخنا السياسي الحديث أو المعاصر تستحق الاستعادة، وتمثُّل فعلها، مهما كانت النيات صادقة، فقد كانت الفردية في ممارسات تلك الشخصيات طاغية، كما كانت الحرية مغيّبة وبعيدة عن ممارسة الشعب لها بالقول والفعل، ولعلها المسؤولة عن واقع العرب اليوم الغني عن التعريف.

ومن هنا، يمكن الاستنارة بفهم الفيلسوف الألماني، جورج هيغل، مسيرة التاريخ البشري، فقد قال في هذا الخصوص: "تاريخ العالم ليس إلا تقدّم الوعي بالحرية". وهو كذلك بالفعل، إذ كانت مفاصل التاريخ الرئيسة نقلاتٍ جوهرية لتقدّم البشرية نحو الحرية. أما استعادة تاريخنا السياسي القريب أو شخصياته، فلا علاقة لها بوعي الحرية مطلقاً، بل بأشكال مصادرتها.

استعادة تاريخنا السياسي القريب أو شخصياته، لا علاقة لها بوعي الحرية مطلقاً، بل بأشكال مصادرتها

ومن هنا، يمكن الإشارة إلى الرئيس التونسي، قيس سعيِّد، الذي دعا إلى حوار وطني لمناقشة الوضع في بلاده، بعد أكثر من شهرين على تعطيل الدستور، وشلِّ حركة الدولة، في وقتٍ، يعاني فيه الشعب التونسي أوضاعاً اقتصادية ومعيشية صعبة، وقد قصر ذلك الحوار على جيل الشباب، متعللاً بالفساد تارة، وبمحاولة تفرُّد هذا الحزب أو ذاك بالحكم تارّة أخرى، وقد يكون بين يدي الرئيس سعيّد ما يُدين به أحزاباً أو مجموعات أو أفراداً من المجتمع التونسي، ولكن هل يقتضي الأمر إيقاف عمل الدولة أم إن سلطة القضاء هي الوحيدة التي يمكن لها في مثل هذه الأمور؟ خصوصاً وهو رجل القانون الذي طالما تغنّى به، ورفعه شعاراً لدى ترشّحه لرئاسة تونس، وربما جاء فوزه بكرسي الرئاسة من هذا الجانب بالذات، وعبر انتخاباتٍ حرّة وديمقراطية، يحاول الانقلاب عليها اليوم.

وإذا كان من حق الرئيس استخدام بعض مواد الدستور عند الضرورة، كما فعل بتعليق جلسات مجلس الشعب وفق المادة 85 من الدستور التونسي (يقول تونسيين إنه لوى عنق المادة)، ومهما يكن من أمر، وممن يؤيد الرئيس ويدعمه من الأمن أو الجيش، فذلك لا يخوِّله أن يختزل الشعب التونسي كله بفئة عمرية محدّدة، ويهمّش أحزاباً عمرها منذ الاستقلال وأخرى لعبت دوراً إيجابياً ولها رصيدها، واحترامها في عمق الشعب التونسي.. يريد الرئيس كسب جيل الشباب إلى جانبه، وتفعيل دوره، لكن ذلك يأتي من خلال حرية العمل السياسي، وتشجيعهم على تشكيل أحزاب جديدة أو تفرّعها عن أحزاب قائمة كما يحدث دائماً.

لا يحق للرئيس التونسي أن يختزل الشعب التونسي كله بفئة عمرية محدّدة، ويهمّش أحزاباً عمرها منذ الاستقلال

لقد أقدم عسكريون كثيرون استولوا على الحكم بقوة السلاح (كل الانقلابات العسكرية) على مثل هذا الفعل، تلبية لرغبة ذاتية توحي لهم بأن التاريخ سيبدأ بهم، ومعهم، ففي النصف الثاني من القرن العشرين جرت في بلاد عربية كثيرة انقلابات رفع أقطابها شعارات ثورية، متهمين كل من سبقهم بأسباب تأخّر أمة العرب، فألغوا أحزاباً عريقة لها تاريخها، وشكّلوا أحزاباً تنطق باسمهم. وعلى الرغم من أن بعضهم نجح في إحراز بعض المكتسبات لشعبه، إلا أنهم، عموماً، فشلوا في التنمية، وفي إيصال شعوبهم إلى حالٍ من التقدّم والازدهار، وبما يلامس حضارة اليوم، وخاضوا معارك وهمية، قادت إلى مهازل في فشلها، ولم يكن السبب غير مصادرة السياسة وتغييب حرّياتها وأحزابها السياسية. وينطبق هذا الأمر على تجارب مصر وسورية والعراق واليمن وليبيا، وهي البلدان الأكثر معاناة اليوم من الخراب والتمزّق بسبب الفساد وتخلّف التنمية اقتصادياً وخدمياً.

وكان جمال عبد الناصر في مصر قد حلَّ الأحزاب باسم الفساد، لكنه عاد بعد هزيمة 1967 واعترف بخطئه، بيد أنه لم يعمل على سن قانون جديد للأحزاب، بل شكَّل نواة حزب جديد داخل الاتحاد الاشتراكي. وربما، لو أنه فعل، لما استطاع خلفه أنور السادات أن يقتلع تلك النواة بسهولة، ثم ليذهب إلى إسرائيل فاتحاً بذلك باباً واسعاً، لا للصلح معها فقط، بل لجرِّ آخرين إلى النفق المعتم، وليتردّى الواقع العربي كله أكثر فأكثر، مع بقاء إسرائيل على مواقفها من العداء للعرب، وللشعب الفلسطيني، على نحو خاص، ومن دون تنفيذها أياً من قرارات الأمم المتحدة التي ربما أنصفت الفلسطينيين جزئياً بالقياس إلى وضعهم الحالي، حيث تقضم إسرائيل يومياً أجزاء من أراضيهم، وتحتل بعض منازلهم، تحت حجج ومزاعم باطلة.

لا بد للحياة من أن تقول كلمتها في فجر الحرية المقبل حتماً بضرورته الموضوعية، وإن تعرَّجت طرقه، شاء الاستبداد أم لم يشأ

أما معمّر القذافي، فقد حرَّم الأحزاب كلياً، واستعاض عنها بالمؤتمرات الشعبية الناطقة باسمه، مستنداً إلى كتابه الأخضر الذي ألّفه أو غيره على غرار كتيب جمال عبد الناصر "فلسفة الثورة"، بينما وجد كل من صدّام حسين وحافظ الأسد حزبي البعث في العراق وسورية مطية سهلة، فامتطياها إلى درجة أنهما كانا يعيّنان قيادتها، وكانا كلما أمعنا في فرديتهما احمرّت أيدي المنافقين والمنتفعين فساداً من التصفيق، وكذلك كان شأن الجبهات التي شكّلاها واجهةً لديمقراطية الاستبداد المزعومة. ولم يكن الذين حكموا اليمن، ولا العسكريون الذين تواتروا على حكم السودان، بأفضل من هؤلاء، فها هي ذي اليمن غارقة في الدم والخراب، ومثلها سورية والعراق، وقبلهما ليبيا.. وعسكر السودان الذين طبّعوا مع إسرائيل يكشّرون اليوم عن أنيابهم قبيل الموعد المقرر لتسليمهم السلطة للمدنيين بشهر. ومن هنا، يمكن فهم العثرات التي عاناها الربيع العربي في تلك البلدان، فغرقت معظم بلدانه في أمراض، ربما لن تشفى منها قبل عقود، ذلك إن لم يحصل في بنيتها الداخلية تغيّرات قسرية (سورية نموذجاً).

أتراه الرئيس التونسي، المؤيد بشار الأسد، لا يدرك ذلك الواقع، وهو ابن تونس التي انطلقت منها شرارة الربيع العربي، وابن شعبٍ مميز في تقدّمه الاجتماعي. ولكن لا بد للحياة من أن تقول كلمتها في فجر الحرية المقبل حتماً بضرورته الموضوعية، وإن تعرَّجت طرقه، شاء الاستبداد، بكل أشكاله، أم لم يشأ.