قيس سعيّد وشهوة العسكر والسلاح

22 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

يتواصل في تونس سيل التهم الموجهة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وتجمع على أنّه يخطط لانقلاب ناعم لإطاحة منظومة الحكم الحالية، وتعويضها بأخرى، يكون فيها هو الحاكم بأمره، الوحيد والفعلي للبلاد، وذلك اعتماداً على ما اعتبرت تأويلات انفرادية و"شاذّة" وخارجة عن سياق الدستور. وقد ألقى كلمةً بمناسبة عيد قوات الأمن الداخلي، أعلن فيها أنّه القائد الأعلى للقوات العسكرية والأمنية، في خرق لدستور 2014 الذي حسم تنازع الصلاحيات بين رئيسي الجمهورية والحكومة، في ما يتعلق بالقوات الحاملة للسلاح من مؤسسة عسكرية جمهورية ومحايدة لا تتدخل في الشأن السياسي، ومؤسسة أمنية محايدة وجمهورية، ولا تتدخل هي الأخرى في المجال السياسي.

كشف خطاب سعيّد هذا عن رغبة جامحة في احتكار "سلطة السلاح" تمهيداً "لاحتكار السلطة المطلقة" والمرور بالسرعة القصوى باتجاه تغيير نظام الحكم من برلماني قائم يتقاسم فيه الرؤساء الثلاثة (الجمهورية والبرلمان والحكومة) الصلاحيات إلى نظام رئاسي يحتكر فيه رئيس الجمهورية كامل منظومة السلطة ومختلف دوائر الحكم. أراد سعيّد، بصفة مباغتة وقاطعة وحاسمة، ولعلّها نهائية، أن يحسم ما سبق أن أومأ إليه؛ أنّه، وبموجب الدستور ومعناه، القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية والأمنية مجتمعة، مستثمراً تأويله بعض فصول دستور 2014 ودستور الجمهورية الأولى لسنة 1959.

كشف خطاب سعيّد عن رغبة جامحة في احتكار "سلطة السلاح" تمهيداً "لاحتكار السلطة المطلقة

وقد جاءت تأويلات سعيّد هنا مخالفةً لفصول صريحة في الدستور، في بابه الأول، تحت مسمّى المبادئ العامة، خصوصاً الفصل 17، والذي ينص على "احتكار الدولة لإنشاء القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي ويمكن ذلك بمقتضى القانون ولخدمة الصالح العام". وبذلك فصل الدستور بين القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي، بما يفيد أنّ القوات المسلحة بالنسبة للمؤسستين تعني بصفة حصرية القوات العسكرية. والملاحظ أنّ سعيّد قفز عن الفصل 18، الذي يصف الجيش صراحةً بأنّه "قوة عسكرية" وعن الفصل 19 الذي قال عن الأمن الوطني فقط إنّه "أمن جمهوري قواته مكلفة بحفظ الأمن والنظام العام وحماية الأفراد". ويذهب سعيّد إلى أبعد من ذلك، معتبراً أنّ القانون المنظم للتعيينات في المناصب العليا غير دستوري، وهو قانونٌ يوكل التعيينات الأمنية إلى رئيس الحكومة، والذي هو في الحالة التونسية وزير الداخلية بالنيابة.

تعتبر انزلاقات قيس سعيّد  خطيرة، ومتناقضة مع القسم الذي أصبح به هو نفسه رئيساً فعلياً للدولة

تعتبر انزلاقات قيس سعيّد هذه خطيرة، ومتناقضة مع القسم الذي أصبح به هو نفسه رئيساً فعلياً للدولة، ومعناه أنّ رئيس الجمهورية مجبر على احترام الدستور والتشريع، كما ينصّ على ذلك بوضوح الفصل 76: "وأن أحترم دستورها وتشريعها". وواضح أنّه استغل غياب المحكمة الدستورية المعطلة منذ خمس سنوات، والتي أعاد مشروع قانونها، قبل أيام، إلى البرلمان، بتعلّة تجاوز الزمن القانوني الذي كان من المفروض أن تنجز فيه، وذلك لتمطيط صلاحياته، لتشمل وزارات الداخلية والدفاع والخارجية.

وقد رفضت قراءات عدة تأويلات سعيّد هذه، والتي فجرت جدالاً سياسياً حاداً، وسيلاً من ردود الفعل والتعليقات، ومنها قول رئيس الحكومة، هشام المشيشي، إنّ تصريحات الرئيس "خارجة عن السياق، وليس هناك داعٍ للقراءات الفردية والشاذة" في تلميح منه إلى ما تورّط فيه سعيّد في متاهات التأويل والتعسف على نص دستوري واضح. كما انتقد توجيه سعيّد خطاباً استفزازياً ومحرجاً، بدا فيه هذا الأخير قاضياً للدستور، أو أستاذاً أمام طلبته، علاوة على أنّ المقام غير المقام، إذ توجه سعيّد بخطابه إلى عسكريين وأمنيين في مناسبة وطنية معلومة، يحكمها أمر جمهوري يومي، وبحضور رئيسي الحكومة والبرلمان، مرة بالهمز وأخرى باللمز، مؤسّساً لسردية اتصالية مرة أخرى، تعمل على استنزاف صورتيهما أمام الجميع، كاشفاً عن رغبته الدفينة والملحّة في ترذيلهما، ومؤكّداً أنّ سلطته هي المطلقة. وبذلك جاءت ردود الفعل العريضة رافضةً شراهة الرئيس ونهمه للحكم المطلق، وصولاً إلى اعتبار الرئيس مستهتراً بالدستور والتشريع، ومتهيباً للانقضاض على دولة القانون. وقد يقتضي الحال، كما دعا بعضهم، إلى وقفة صارمة من كلّ القوى السياسية والمدنية والمؤمنة بالديمقراطية والرافضة وقع أقدام العسكر ورائحة السلاح، حماية للانتقال الديمقراطي، وردعاً للعبث قبل انفلات الوضع.

كشف سعيّد صراحةً عن حربه مع حركة النهضة وحلفائها، خصوصاً رئيسها ورئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي

وقد ربطت هذه التخوفات والهواجس التي أعلنتها نخب متعدّدة بين ما أعلنه سعيّد، في خطابه أخيراً، وزيارته قبل أيام القاهرة، التي عاد منها معلناً في الليلة نفسها، من جامع الزيتونة وبمناسبة حلول شهر رمضان، أنّ الله مع المسلمين وليس مع الإسلاميين. وبذلك يكشف سعيّد صراحةً عن حربه مع حركة النهضة وحلفائها، خصوصاً رئيسها ورئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي. وقد أصبحت واضحةً القطيعة الآن بين سعيّد ورئيسي البرلمان والحكومة، وها هو الرجل يحتكر تأويل الدستور في العلن، وفق شهوته وسعيه إلى احتكار سلطة السلاح. والخوف أن تتطور هذه الشهوة لتزجّ الجميع في السير بأرض السكاكين الطويلة.

وفي المحصلة، زجّ قيس سعيّد البلاد والعباد في منعرج خطير، فأصبحت الدولة ومؤسساتها في خطر داهم، يُخشى فيه من صراع متوحش لأجنحة السلطة من دون ضوابط وقيود، لتعم الفوضى العارمة، ويعود الاستبداد في أبشع صوره، لا بفعل الانقلابات العسكرية، بل بمفعول المعارك الخاطئة والحسابات الناعمة وشهوة السلطة الجانحة وإدمانها.