قيس سعيّد .. صناعة الغوغاء وزيادة الاستقطاب

قيس سعيّد .. صناعة الغوغاء وزيادة الاستقطاب

26 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

عاود الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في مدينة سيدي بوزيد قبل أيام، إطلاق كلامه في الهواء، وعاد إلى الخوض في العموميات. وكما درَج، في جميع خطاباته التي تلت إعلانه "التدابير الاستثنائية"، في 25 يوليو/ تموز الماضي، ابتعد في خطابه في هذه المدينة عن تحديد الخونة والفاسدين وأعداء الوطن والمخرّبين الذي يتحدث عنهم دائماً، وامتنع عن تسميتهم، لأنه "يتعفف عن ذكر أسمائهم"، كما قال من قبل وعاد وردّد. كما واصل تقديم الوعود بالانتصار، من دون أن يقول على من، لينفعل ويضع أمامه عهد الموت أو الانتصار. وإذ لم يُلحظ من خطابه سوى إيغاله في السعي إلى زيادة الاستقطاب والانقسام في بلاده، لوحظت حالةٌ من الهرج والمرج والصياح سادت بين المتجمهرين أمامه، فأطلقوا الشتائم لمعارضيه وعبارات التمجيد لشخصه الذي لم يصدُر عنه ما يميزه أو يجعله يستحقّ تمجيداً. ولا يُقرأ من هذا سوى سعي الرجل إلى تعزيز فرديته واستفراده بالسلطة وحشد الغوغاء، ربما من أجل كسب المؤيدين للخطوة التي اتخذها بعد أيام، أي تجديد العمل بالتدابير الاستثنائية، وتعليق عمل مجلس النواب ووقف العمل بالدستور، لتركيز السلطات في يده.

إلى متى سيبقى سعيِّد يكرّر الكلام ذاته عن الفساد والفاسدين من دون أن يفعل شيئاً؟

لم يُعرف عن الرئيس سعيّد انتماؤه إلى حزب سياسي، أو وجود محازبين له، وهو الذي صودف أن حدّة التنافس والتنافر والنزاعات بين المرشحين للرئاسة، من أقطاب سياسيين ورجال أعمال، ساهمت جميعها في ترجيح كفته، ربما ردة فعل على أولئك، لتُضاف إلى ما جرى التركيز عليه من معرفته الواسعة بدستور البلاد وقوانينها. من هنا، أتت المفاجأة بعد رؤية الجموع التي تحشَّدت للاستماع إلى خطابه في سيدي بوزيد، في 20 سبتمبر/ أيلول الجاري، وكرّر فيه ما ساقه في خطاباته التي تلت إعلانه التدابير الاستثنائية التي أدخلت البلاد في حالة من الترقب والترصُّد. لذلك ليس غريبا أن يستمر في ذلك، وأن يعتمد لغة الشتائم والتهديد الموجهة إلى عدوّ مجهول لم يُعرف له هيئة أو هوية تميّزه العامة بها. وبسبب عدم تقديم أيٍّ ممن يتهمهم الرئيس بالفساد وبالتآمر على البلاد إلى القضاء، لا يمكن القول سوى أن الرئيس يوغل في الغوغاء، ويريد صناعة غوغاء من حوله، تسهل قيادتهم لكي يميلوا مع ريحه، فيسوقهم ليؤيدونه في ضرب الحياة الدستورية والسياسية في البلاد.

في الوقت الذي يعزف فيه على وتر إرادة الشعب، بدا الرئيس أنه يتبع آليات تقود إلى صناعة الغوغاء، من عموم الشعب الذي من المفترض أن يمسك بيده ليرفعه إلى مصافّ النخبة التي عادة ما تتشكّل من الطبقة الوسطى التي تساعد تنمية المجتمع والتنمية الاقتصادية، وتحسين الأوضاع المعيشية في زيادة نسبتها، كون أي نهضة لا تقوم سوى على أكتافها. وفي وقت يركز فيه على الشعب وقدراته واستحالة قهره، يتبع سعيّد الإجراءات ذاتها التي تغيّب إرادة هذا الشعب وتقهر نخبه، وتعلي من شأن الغوغاء بين أبنائه. وفي هذا السياق، يجري التلاعب بعقله ومداركه، لإلغاء مقدرة الشك والنقد لديه. وهو يمارس سياسة سوف تُدخل البلاد في الفوضى، وتسير بها نحو المجهول، عبر تحييد مجلس نوابها وعدم تشكيل مجلس وزراء يقوم بالمهام التنفيذية في البلاد، وكذلك إلهاء الشعب بالقضايا الخلافية، وطرح قضايا كبيرة، والنفخ فيها لزيادة ظلّها على الشارع، ليخوض فيها وتلهيه عن قضاياه المعيشية الضاغطة. ولا ضير لديه في الكلام عن خطط وسياسات سيتبعها، لكنه في النهاية يمتنع عن تنفيذها من أجل زيادة الإحباط لدى أبناء الشعب، بدليل كلامه عن محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين المؤجّلة.

تراث حملات محاربة الفساد في البلدان العربية كافة تبين أن هذا ملف ممنوع من اللمس، وممنوع مسّ الفاسدين أو تعكير صفوهم

ولن يمر زمن طويل، حتى نرى اتّباعِهِ آلياتٍ لتجهيل الشعب عبر ضرب منظومة التعليم في البلاد وتهجير نُخَبِها العلمية، وزجّ نُخَبِها السياسية في السجون أو التضييق على حرياتها. عندما يجري ذلك كله لا يكون هدف الحكام سوى صناعة الغوغاء من أجل تحييد إرادة الشعب وقوته وتغييبه وإلغاء وجوده ومنع تأثيره. وقد شهدنا الأصوات تتعالى من حول الرئيس سعيّد وهو يلقي خطابه، حتى أن المحتشدين كادوا يمنعونه من مواصلة الكلام، غير أنه أصرّ على ذلك لزيادة حدّة أصواتهم وزيادة هياجهم المحموم من أجل إدخالهم في حالة اللاهدى التي يمشي وفقها. وبسبب شعبويته، لم يرَ مانعاً في تحشيد هؤلاء الناس الذي تجمّعوا، وضاق المكان بهم، غير آبهين بالمخاطر، وبالتحذيرات التي تخرج في تونس بشكل يومي، وتدعو إلى اتخاذ إجراءات الوقاية لوقف انتشار فيروس كورونا.

بعد هذا الخطاب، تساءل كثيرون من أبناء الشعب التونسي على وسائل التواصل الاجتماعي: إلى متى سيبقى الرئيس سعيِّد يكرّر الكلام ذاته عن الفساد والفاسدين من دون أن يفعل شيئاً؟ وطالبه كثيرون بسرعة العمل على تطبيق ما يقوله، قبل أن يُصاب التونسيون بالإحباط. وهنالك من اتهمه بأنه يحاول شقّ صفوف أبناء الشعب، حين يمتنع عن تسمية المتهمين بأسمائهم، لأن ذلك يشيع الريبة والشكّ بين أبناء الحي الواحد والعائلة الواحدة، ويبدأ الجميع يرتاب من الجميع. كما طالبه كثيرون بأن يكون رئيساً لجميع التونسيين، وليس لقلّة يحاول أن يحشدها لتأييده. ولأنه أخذ يمجّد الثورة، وهو الذي لم يُعرف له موقفٌ بصددها، بل يقول بعضهم إنه كان من مؤيدي الرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي. كما طالبه آخرون بالتوقف عن تعطيل البلاد عبر شلّه السلطة التنفيذية، لأن الثورة تعني العمل، فما قاله سمعه المواطنون، لكنهم قالوا إنه لم يذكر كيف سيعمل على تنفيذ ما يقول، أو كيف سيحل المشكلات المعيشية ومشكلة البطالة وغلاء الأسعار.

أنفق سعيّد أسابيع في سوق الاتهامات وإطلاق التهديدات للفاسدين، من دون أن يتخذ إجراء جدّياً

وطالبوه، في هذا السياق، بتطبيق القانون رقم 38 الذي أصدره، في أغسطس/ آب 2020، الذي يؤمل منه محاربة البطالة، وخصوصاً بين خرّيجي الجامعات، لأنه يعد منصفاً وقادراً على تجنّب المحاباة، بفضل طريقة التقدّم إليه عبر منصّة إلكترونية تلحظ مؤهلات طالب العمل والسنوات التي أمضاها وهو يعاني البطالة، علاوة إلى عدد العاطلين عن العمل في بين أفراد أسرته. غير أن الرئيس لم يضغط لكي يأخذ هذا القانون مجراه ويدخل حيز التنفيذ، وهو ما يستند إليه التونسيون في توقّعهم ألا يجد كلامه عن محاربة الفاسدين الطريق إلى التنفيذ.

ليس هنالك أمهر من الفاسدين في قراءة القرارات والخطابات والأمزجة، والتحرّك بناءً عليها. وفي حالة تونس، أنفق الرئيس سعيّد أسابيع في سوق الاتهامات وإطلاق التهديدات للفاسدين، من دون أن يتخذ إجراءً جدّياً. وهنا تنفس الفاسدون الصعداء، وعرفوا أن أي قرار لمحاسبتهم قد مضى، ولن يأخذ دوره على أرض الواقع. وجاء خطابه ليزيد الثقة لديهم من أن تغييراً لن يحدُث، حين أصرَّ أنه لن يسمّي أحداً منهم. وإذ من المحتمل أن قراراته الأولى، وخطابه الأول الذي حمل وعيده، قد زرعا الخوف في قلوب جميع الفاسدين، لكن تراث حملات محاربة الفساد في البلدان العربية كافة تبين أن هذا ملف ممنوع من اللمس، وممنوع مسّ الفاسدين أو تعكير صفوهم بينما هم يتغوّلون في مفاصل الحياة، في حين أن القادة يتلهون بتدابير تشلّ قدرات بلدانهم، وتركّز السلطات في أياديهم.