قيس سعيد عندما يتنصّل من المسؤولية

27 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

تراكمت عوامل كثيرة في تونس جعلت فئاتٍ مهمَّشةً وشباناً يخرجون باحتجاجاتٍ، شهدت من العنف الذي تخللته اشتباكات بين قوات الأمن والمحتجين، في مدن تونسية عديدة، ما يجعل المرء يشك بأن ثورةً مطلبيةً اندلعت في هذه البلاد قبل عشر سنوات، وأطاحت نظاماً قمعياً كانت بينه وبين الشعب ومطالبه قطيعة. ويتكرّر مشهد الاحتجاجات هذه الأيام، لكن ضد سلطةٍ اعترفت بشرعية مطالب المحتجين من دون أن تستجيب لها. ويتعجَّب المرء لدى قراءة خطاب هذه السلطة، أو حتى قراءة دعوة الرئيس التونسي، قيس سعيِّد، التي وجهها إلى التونسيين المحتجين قائلاً: "لا تتركوهم يتاجرون بفقركم". يأتي التعجب من رئيس دولةٍ يريد إظهار نفسه بمظهر العاجز إزاء فقر أبناء بلده، في حين أن الحقيقة هي أن الزعماء في بلدان العالم الثالث يتحكّمون بأدق تفاصيل الحياة فيها.
وتوجَّه الرئيس التونسي إلى محتجّين، حين زارهم في أحد الأحياء الشعبية التي اندلعت فيها احتجاجات، في 18 يناير/ كانون الثاني الجاري، وخاطبهم قائلاً: "أعرف الأطراف التي تتاجر بالبؤس وبالفقر وتسعى لتوظيف الشباب" (طبعاً يقصد توظيفه لخدمة غايات خبيثة). وإذ يتابع: "أدعوكم لعدم تركهم يتاجرون بفقركم"، ففي هذا القول إحالة إلى خطابٍ سابقٍ، الخطاب الذي يُروِّج سردية المندسِّين والمتصيِّدين في الماء العكر والمتآمرين وأعداء البلاد الذين تستحضرهم الأنظمة العربية كلما لاحت بوادر احتجاج شعبية ضد سياساتها. ويتكرَّس الإنكار هنا، حين يُرجع الرئيس سبب الاحتجاجات إلى المتاجرين بالفقر والفقراء، وليس الفقر الذي تتسبّب فيه سياسات السلطة. 

لا يشير قيس سعيد إلى مسؤولية السلطة، التي يتربَّع على رأسها من سنةٍ ونيِّفٍ، وإلى أنه لم يستطع أن يحارب الفقر

لذلك، وإمعاناً بالنكران، نرى الرئيس التونسي يدعو من سمّاهم "شباب تونس الثائر" إلى عدم التعرّض لأملاك الناس ولمؤسسات الدولة، منبهاً إلى أن "هناك أطرافا تستغل الليل للسطو والسرقة، لكن شباب تونس الثائر لم يكن أبداً لصاً". وهنا لب الموضوع، أي عدم الإشارة إلى مسؤولية السلطة، التي تربَّع على رأسها من سنةٍ ونيِّفٍ من الأشهر، ولم يستطع أن يحارب هذا الفقر الذي قال عنه إنه "يحاصر الشباب"، إضافة إلى أنه لم يستطع أن يبذر بذرة أملٍ بإصلاح حقيقي، خرج هؤلاء الشباب في احتجاجاتهم بعد أن فقدوها. وظهرت دعوته على شكل صرخةٍ بدت وكأنها كانت تعتمل في داخله من وقتٍ بعيد، إلى أن وجدت طريقها إلى الخروج الآن، وهو ربما يريد بها إظهار نفسه بمظهر من يحاول الإصلاح، لكنه لا يستطيعه.
هل هذا تنصُّلٌ من المسؤولية ورميٌ للكرة في ملعب إدارة أخرى غير إدارة الرئاسة ومحاولة لإظهار الرئاسة عاجزةً عن الفعل واتخاذ القرار؟ وإن كان الأمر كذلك فلا يمكن تفسيره سوى أنه إعادة إنتاجِ مسلسل تقاذف الاتهامات الذي درجت عليه السلطات في تونس منذ انتصار الثورة، قبل عشر سنوات وإزاحة الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، عن سدّة الحكم. كما أنها ممارسةٌ تفضح محاولة الرئيس، أو أيٍّ من أركان السلطة، إبداء مفاجأته بهذه الاحتجاجات، فقد خرجت قبل الآن، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وتجدّدت أواسط شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، وتوسّعت لتشمل مناطق عديدة في البلاد وأحياء في العاصمة، ولم يحاولوا، على الرغم من الإشارات التي بعثتها، اتخاذ أي إجراءاتٍ لتغيير الظروف التي أدت إلى اندلاعها. بالإضافة إلى ذلك، لم تتوقف الاحتجاجات طيلة السنوات العشر التي تلت انتصار الثورة سنة 2011، ومع ذلك لم تقطع السلطة الحاكمة مع أساليب النظام القديم في إدارة شؤون البلاد، ما أعاد إنتاج الفقر والتهميش والبطالة بسبب غياب سياسة تنمية حقيقية.

المنظومة الأمنية في دول العالم الثالث التي تقف خلف الرئيس يمكنها، بإشارة منه، وضع حدٍّ لجميع الفاسدين والمقصّرين

وفي السياق نفسه، وبعد يومٍ من كلام الرئيس سعيِّد، أقرّ رئيس الحكومة، هشام المشيشي، بشرعية مطالب المحتجّين، ودعاهم، في كلمة متلفزة، إلى تجنب افتعال العنف في احتجاجاتهم. لكنه نأى بنفسه وحكومته عن المسؤولية عن الأوضاع التي آلت إليها البلاد بسبب عدم تنفيذهم الإصلاحات. بل يبدو أنه ليس لدى حكومته أي تصوّر حول كيفية الإصلاح، يدل على ذلك طلبه من الشباب القيام بما على الحكومة القيام به، عندما قال: "أنتم مستقبل هذا الوطن وقوة اقتراح حلول، والدولة ستكون مرافقاً لكم في تحقيق طموحاتكم وأحلامكم".
فهل هذا إعلان فشل أم استسلام؟ وهل يريد طرفا السلطة التنفيذية التنصّل من المسؤولية وإبراء صفحتيهما مما يجري في البلاد من فساد عجزا عن مكافحته، أو معاناةٍ بسبب الأزمات الاقتصادية المتكرّرة التي عجزا أيضاً عن إيجاد حلولٍ لها، في حين تُظهر الوقائع والمؤشرات أنهما لم يحاولا ذلك. ليس الأمر قصة عجز، إذ من المعروف في دول العالم الثالث أن المنظومة الأمنية التي تقف خلف الرئيس يمكنها، بإشارة منه، وضع حدٍّ لجميع الفاسدين والمقصّرين، ونقلهم إلى أصغر قسم شرطة، إن توفرت إرادةٌ لذلك. 
لا يدلّ هذا الخطاب، وتخبط أحزاب السلطة وأعضاء البرلمان باتخاذ قرار تجاه الاحتجاجات والمحتجين، سوى على وجود انفصال بين الشعب، والمتظاهرين من أبنائه، وبين الطبقة السياسية التي برز لهوها بالسجالات وإدارتها الأزمات السياسية التي تعصف بالسلطات الثلاث فيها. هذه الطبقة التي تؤجّل حل مشكلات البلاد السياسية، وعوضاً عن البحث عن الحل، لا يظهر عليها سوى اهتمامها بتحاصص المناصب السياسية، وتدوير المناكفات وتعميق التجاذبات بين الأطراف السياسية.

طاول القمع كل من يدين القمع والتهميش والبطالة والفقر على وسائل التواصل الاجتماعي، وكل من يناصر الحراك الشعبي والمحتجّين بتغريدة أو منشور

مقابل هذا الخطاب الانهزامي من أركان السلطة، تواصل قوات الأمن قمع المتظاهرين وإطلاق القنابل المسيلة للدموع لتفريقهم واعتماد سياسة اعتقالٍ عشوائيةٍ أسفرت عن توقيف أكثر من ألف متظاهر بمن فيهم القُصَّر. وطاول القمع كل من يدين القمع والتهميش والبطالة والفقر على وسائل التواصل الاجتماعي، وكل من يناصر الحراك الشعبي والمحتجّين بتغريدةٍ أو منشورٍ على "فيسبوك". ووصل الأمر بقوات الأمن إلى حد مداهمة المنازل مباشرةً بعد نشر أحدهم تغريدته، والقبض عليه واقتياده إلى السجون واحتجازه من دون محاكمة. وتبين هذه الوقائع أنه ليس لدى السلطات مشروع أو حل لمواجهة مشكلات البلاد سوى الحل الأمني.
وباعتماد السلطة الحل الأمني تكون قد أعادت أجواء القمع التي سادت خلال حكم نظام بن علي البائد، وهو ما سيدفع إلى مزيدٍ من الاحتجاج الشعبي؛ لأن المحتجّين لمسوا أن هدف القمع هو بث الرعب والخوف في نفوسهم، وفي نفوس بقية فئات الشعب، إذ سيكون رد الشعب أنه لم يطلق ثورة خلعت نظاما تسلطيا، حتى يأتي نظام تسلطي آخر ليحل محله. وما سيزيد الأمور حدّة، ويزيد من إحباط الفئات المهمّشة والفقيرة، حقيقة أن من هم الآن في السلطة لم يكن لهم أن يصلوا إلى مناصبهم الحالية لولا الثورة التي مهدت لهم سبيل شغل مواقعٍ لم يكونوا ليحلموا بها لو بقي نظام بن علي قائماً.