قوّة التنوّع وحيوية الديمقراطية الليبرالية
كاتب ومحامٍ وحقوقي سوري، المديرالسابق للهيئة السورية للعدالة والمحاسبة، مقيم في ألمانيا.
زهران ممداني يحيي مناصرين له بعد فوزه في نيويورك (4/11/2025 فرانس برس)
تعدّدت الأسباب التي أوصلت زهران ممداني إلى النجاح في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك، منها خلفيته المهاجرة، إذ استطاع، بأسلوبه الشعبي القريب من الناس، الوصول إلى شرائح واسعة من المهمّشين في المدينة الأكبر في الولايات المتحدة. ومنها ثقافته الواسعة التي أتت أساساً من تأثّره بأسرته، فوالده أكاديمي مرموق في جامعة كولومبيا بمرتبة بروفيسور في الأنثروبولوجيا، ومن أبرز المفكّرين الخبراء بشؤون أفريقيا والسياسات الدولية، ووالدته مخرجة سينمائية مشهورة فازت بالعديد من الجوائز الدولية. كما أنّ والدته الهندوسية سبق أن كانت متزوّجةً من رجل يهودي غير صهيوني، قبل أن تتزوّج والده المسلم. لعبت أصول العائلة ورحلتها من الهند وأوغندا وجنوب أفريقيا، ثمّ استقرارها في أميركا دوراً مهماً أيضاً في إثراء التكوين العقلي والثقافي والنفسي للرجل. لا بدّ أنّ النقاشات الراقية التي كانت تدور في أجواء العائلة قد طبعت فكر زهران وسلوكه، فوالده واحد من الوجوه البارزة في مناهضة الهيمنة الاستعمارية في الهند وأفريقيا. هذا كلّه بالإضافة إلى قدرات الشاب الذاتية، فهو يتمتع بشخصية كاريزماتية، وهو يتحدّث عدّة لغات منها العربية والهندية والأوردية والفارسية والإسبانية، وقد حلّ في البلاد منذ السابعة من عمره وهو يعيش منذ 27 عاماً في نيويورك، أي إنّه استطاع معرفة نبض المدينة وروحها بوصفه واحداً من أبنائها مع كلّ هذه الخلفيّة التي أحاطت به وشكّلت وعيه وصقلت شخصيته.
لكنّ هذا لا يكفي وحده ليفوز مسلم يعتزّ بانتمائه هذا في المدينة التي تعرّضت قبل ربع قرن لهجوم دمويّ هزّها والعالم أجمع، على أيدي أشخاص مسلمين، وتحت راية الجهاد ضدّ الشيطان الأكبر. ليس هذا فحسب، بل هو الاشتراكي الذي يعتزّ بهذا الوصف أيضاً في معقل الرأسمالية الأكبر في العالم، مع تأكيد أنّ عبارة اشتراكي ذات وصمة سلبية دامغة في أميركا، وتكاد تكون سبّة باعتبارها من مخلفات المرحلة المكارثية (McCarthyism) وإرثها المقيت. كذلك لا يكفي أيضاً ليفوز شخص يجاهر بالعداء للصهيونية في معقل الصهيونية المسيحية وفي ذروة التوحّش الإسرائيلي والهمجيّة التي زرعت العداء للساميّة تحت جلد البشر ووحّدت المصطلح مع العداء للصهيونية ولدولة إسرائيل ولحكومتها اليمينية المتطرّفة. أكثر من ذلك، ثمّة جالية يهودية في نيويورك هي الأكبر في العالم عدداً بعد اليهود المقيمين في تل أبيب. فما هي إذن العوامل التي ساهمت في هذا النجاح الباهر لهذا القادم من خارج صندوق رأس المال الاحتكاري؟ وكيف استطاع هزيمة حلف المليارديرات مع اليمينيين والصهاينة المسيحيين وأصحاب النفوذ ومجموعات الضغط القويّة في هذه المدينة الهائلة، ولماذا لم تتمكّن جبهة هؤلاء جميعاً التي توحّد فيها الديمقراطيون مع الجمهوريين من هزيمته؟
حرّك زهران عند الناس دافع المشاركة لأنّه أعطاهم الأمل بوصول أصواتهم واحتياجاتهم إلى مركز صنع القرار
قد تفسّر بعض المسائل شيئاً من هذا النصر، منها قرب الرجل عمرياً من "جيل زد"، ومهارته في استخدام الأدوات التي يفهمها هذا الجيل. على سبيل المثال قدرته على استثمار أسلوب غناء الراب وإيصال الرسائل عبر "تيك توك" و"إنستغرام". وربّما أكثر، التواضع والاحتكاك المباشر مع الناس في الشوارع. كذلك ساعده وجود عدد كبير من اليهود الحريديم أتباع حركة (ناطوري كارتا – حرّاس المدينة) في نيويورك، المعادين لأسباب دينية للحركة الصهيونية، هؤلاء الذين يُعدّون مائةً وخمسين ألف ناخب لم يكونوا يصوّتون قبل هذا في أيّ انتخابات، فهم يرون أنّ كلا الحزبين الكبيرين، الديمقراطي والجمهوري، داعمان للصهيونية ولإسرائيل التي يرونها خطراً على اليهود ونقمة لا نعمة. صوّت الحريديم مع زهران ممداني وشاركوا بقوّة في حملته الانتخابية. طبيعة خصومه وصفاتهم ساعدته أيضاً، فالعمدة السابق إيريك آدمز يواجه تهم فساد مالي وسياسي، والعمدة الذي هزمه ممداني في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية، أندرو كومو، ومن سبقه في المنصب بيل دي بلاسيو، وقبله مايكل بلومبيرغ... جميعهم يمثلون حلفاً تقليدياً يجمع السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال، والفئات المتنفّذة في عالم أميركا، حيث الليبرالية الاقتصادية بصورتها العارية المتوحّشة.
استطاع زهران تجنيد خمسين ألف متطوّع في حملته الانتخابية التمهيدية للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، وخلال شهور قليلة ارتفع عدد المتطوّعين إلى مائة ألف قبل الانتخابات النهائية. هؤلاء هم رأس المال الحقيقي الذي استثمر به زهران، فقد كانوا يزورون الناخبين في بيوتهم ويلتقونهم في المقاهي والنوادي والمسارح وفي الشوارع. وكانوا يشجّعونهم على المشاركة في الانتخاب والتصويت لمرشّحهم الذي يَعِدُ من خلال برنامجه الانتخابي تسهيل حياة الشرائح الفقيرة في المدينة وجعلها قابلةً للاحتمال. تحدّث زهران عن جعل وسائل النقل العامّة ورياض الأطفال مجانيّة، كذلك وعد بتجميد إيجارات المساكن عند حدّ مقدور عليه من الفئات الفقيرة. هكذا استطاع اختراق الجبهة الصامتة من الناخبين الأميركيين التي كان أفرادها لا يكترثون عادةً بالانتخابات لأنها لا تمثّلهم، ولا تراهم أيضاً. حرّك زهران عند الناس دافع المشاركة لأنّه أعطاهم الأمل بوصول أصواتهم واحتياجاتهم إلى مركز صنع القرار.
التنوّع الذي يقوم عليه المجتمع الأميركي، والاعتراف بالتعدّدية والاختلاف، هما محور نجاح ممداني
استعراض هذه المقدّمات كلّها بعين فاحصة، يجعلنا نركّز في الجوهر الذي نراه محور هذا النجاح، وهو التنوّع الذي يقوم عليه المجتمع الأميركي، والاعتراف بالتعدّدية والاختلاف، وهو أيضاً حيوية الديمقراطية وحركيّتها بوصفها نظام تمثيل المصالح وتداول السلطة وتبادل مقاعد الحكّام والمحكومين، وهو كذلك عمق الليبرالية وتجذّرها، أي قوّة الحقوق الكامنة في النصوص الدستورية والقانونية وصلابة المدافعين عنها وإرادة إبرازها وتظهيرها على الدوام. التنوّع الذي يجعل زهران معتدًّا بأصوله، والديمقراطية التي تفسح المجال أمام المواطن بأن يرفع صوته في وجه الظلم والفساد والتمييز، والحريّة والحقوق التي تسمح للمهاجر أن يصبح مواطناً وحاكماً لا فقط محكوماً. هذه ميزة أميركا التي قامت أساساً على الهجرة والمهاجرين، ومع استبعاد فكر الإبادة الذي أتى به المهاجرون الأوائل، ومع استذكار عظمة أفكار الآباء المؤسّسين الذين خطّوا طريق البلاد نحو المجد عبر دستورهم الذي تضمّن في الأصل سبعَ موادَّ فحسب تنظّم السلطة التشريعية، أي الكونغرس (مجلسي النواب والشيوخ)، والسلطة التنفيذية (الرئيس ونائب الرئيس)، والسلطة القضائية (المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية الأدنى)، والعلاقة بين الولايات والحكومة الفيدرالية، وإجراءات تعديل الدستور، وأنّ الدستور هو القانون الأعلى للبلاد، وتصديق الولايات على الدستور. بسبع مواد فقط، أعلنها الأميركيون عام 1787 ودخلت حيّز النفاذ عام 1789، وبسبع وعشرين تعديلاً، منها أول عشرة أطلقوا عليها اسم "وثيقة الحقوق" رسموا بها مسار البلاد إلى الآن.
الجوهر الأساسي الذي مكّن زهران ممداني، المهاجر الملوّن ابن المهاجرين غير البيض، من الوصول إلى سدّة رئاسة بلدية نيويورك ذات الميزانية التي تبلغ 116 مليار دولار، هو الجوهر ذاته الذي أوصل باراك أوباما، ذا الأصول الأفريقية المهاجرة أيضاً، التي كان أسلافها من سكّان البلاد عبيداً عند البيض، من الوصول إلى سدّة رئاسة الولايات المتحدة. جاء أوباما بوجه من الوجوه ليعيد التوازن لمرحلة التوحّش التي مثلها جورج بوش الابن، وجاء زهران ليعيد التوازن لمرحلة التنمّر التي يقودها ترامب. سيكون زهران الدفعة الأولى لإسقاط أحجار الدومينو التي يشكّلها تحالف رأس المال والسياسة، وإذا ما استطاع النجاح في قيادته مدينة نيويورك نحو برّ يحقق مصالح الفقراء والمهمشين، فقد نجد له نظراء في كل مدينة وفي كل ولاية، إنّها قوّة التنوّع وحيوية الديمقراطية الليبرالية، فهل نستفيد منها في بلادنا المنكوبة؟
كاتب ومحامٍ وحقوقي سوري، المديرالسابق للهيئة السورية للعدالة والمحاسبة، مقيم في ألمانيا.