قناة إسطنبول وحديث الانقلابات في تركيا

قناة إسطنبول وحديث الانقلابات في تركيا

07 ابريل 2021
الصورة

مشهد من مضيق البوسفور في اسطنبول (13/1/2020/Getty)

+ الخط -

ظل مشروع قناة إسطنبول مثار تجاذب سياسي كبير بين التيارات والأحزاب السياسية التركية على مدار السنوات العشر الماضية، منذ أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان (رئيس الوزراء آنذاك) عنه عام 2011، ضمن مجموعة مشروعات استراتيجية هادفة، كما أعلن، إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي للدولة، ليصل إلى تريليوني دولار بحلول الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية عام 2023. وتركزت نقاط الخلاف السياسي الداخلي، كما ذكر المعارضون للمشروع، حول تأثيراته البيئية، سواء على المناخ، أو هشاشة التربة، وبالتالي تعريض إسطنبول لخطر الزلازل.

وتقوم فكرة القناة على شق مجرى مائي موازٍ لمضيق البوسفور، على بعد 30 كيلومترا منه في اتجاه الغرب، بتكلفة مبدئية حوالي 15 مليار دولار، للربط بين البحر الأسود في الشمال وبحر مرمرة في الجنوب، وبطول 45 كيلومترا، وعمق 25 مترا، ويتراوح عرضها بين 400 متر إوكيلومتر واحد، وتبدأ القناة من بحيرة كوتشوك شكمجه (بحيرة طبيعية في بحر مرمرة) شمالاً إلى سد سازليديري، ثم قرية شاملار، وصولا إلى البحر الأسود. وتقول الحكومة التركية إن المشروع يمكن أن يحقق دخلاً يصل إلى حوالي ثمانية مليارات دولار سنوياً من التعريفات والرسوم التي تدفعها السفن مقابل المرور عبر القناة.

القناة الجديدة، حال تنفيذها، لن تخضع لاتفاقية مونترو 1936 التي تنص على حرية الملاحة في مضايق البحر الأسود، ومن بينها البوسفور، ووقعت عليها تركيا والاتحاد السوفييتي السابق وبريطانيا وفرنسا واليونان وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا واليابان وأستراليا عام 1936، وتسمح للسفن التابعة للدول المطلة على البحر الأسود بحرية المرور والوجود في حوض البحر الأسود. أما السفن التابعة لدول خارج حوض البحر الأسود فيُسمح لها بالوجود ثلاثة أسابيع. وتتحمّل تركيا المسؤولية المباشرة عن مرور السفن الأجنبية لحوض البحر الأسود، وعبرت مرارا عن رغبتها في فرض إجراءاتٍ أكثر صرامة، تمكّنها من التحكّم في حركة سفن نقل البترول، كما كان مرور السفن الحربية سبباً في أزمات وحالات توتر عديدة بين تركيا والدول الموقعة على الاتفاقية.

قناة اسطنبول، حال تنفيذها، لن تخضع لاتفاقية مونترو 1936 التي تنص على حرية الملاحة في مضايق البحر الأسود، ومن بينها البوسفور

يبقى التجاذب بين الحكومة والمعارضة مقبولاً، طالما يأتي في سياق سياسي، يُقدم كل طرف ما لديه من حجج وأسانيد، ودراسات تدعم موقفه. ثم جاء الثالث من إبريل/ نيسان 2021، ليشهد صدور بيان يشكل دعوة إلى انقلاب عسكري ضد حكومة "العدالة والتنمية"، وجاء بتوقيع 103 قائدي بحرية أتراك متقاعدين، رفضوا فيه عزم الحكومة على تنفيذ المشروع، وتضمّن تهديداً وإدانة للحكومة، بدعوى أنها تخرج بالقوات المسلحة والقوات البحرية عن قيمها، وعن الخط الذي رسمه مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك.

ومن بين ما تضمنه البيان: "تعتبر المضائق البحرية التركية أهم المعابر المائية في العالم، وأديرت باتفاقيات دولية متعدّدة الأطراف سابقاً، ومن نتيجة الاتفاقيات اتفاقية مونترو التي تحمي حقوق الشعب التركي بأفضل شكل، من خلال السيطرة التركية على المضائق بشكل كامل، وجاءت اتفاقية لوزان 1923 لتكمل هذا النصر الدبلوماسي، وجعلت الاتفاقية من البحر الأسود بحراً للسلام للدول المطلة عليه".

تساؤلات عديدة، بشأن دلالات توقيت بيان يرفض القناة، وخريطة الشخصيات الموقعة عليه، وخلفياتهم العسكرية

وتطرّق البيان إلى قضية تعديل الدستور التي طرحها الرئيس أردوغان في يناير/ كانون الثاني 2021، فنص البيان على أن "الجيش يرفض تغيير الدستور، ولا يمكن تناول مسألة كتابة دستور جديد، بل على العكس فإن شعار الجيش هو ضرورة استمرار العمل بالدستور من دون تغيير". وأكد على أن "البلاد خرجت من قيم الجيش والقوات البحرية، والخط العصري الذي رسمه أتاتورك، وهو أمر مدان، ونقف ضده، وعلى العكس من ذلك، فإن مسألة بقاء تركيا ستتعرض للمخاطر، وعبر أمثلة واضحة في التاريخ". واعتبر بعضهم البيان دعوة صريحة ومباشرة إلى الانقلاب العسكري على الحكومة التركية.

تزيد من خطورة الأمر اعتبارات إقليمية ودولية عديدة ذات صلة بهذا الملف الاستراتيجي، منها أولاً: الموقف الأميركي المتحفظ، بل والرافض أحياناً اتفاقية مونترو، والساعي إلى تعديلها، بما يحقّق للقوات الأميركية فرصاً أكبر في الوصول إلى البحر الأسود، وهو ما ترفضه الحكومة التركية، وتعتبر فيها إحياءً للحرب الباردة وتصعيداً للتوتر في المنطقة على حساب أمن شعوبها واستقرارها، وما يستتبعه ذلك من تأزيم للعلاقات مع روسيا الاتحادية.

وثانياً تعبير إسرائيل، في أكثر من مناسبة، أن مشروع القناة يشكل تهديداً استراتيجياً لمصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، وتحديداً قبرص واليونان، وأن من شأن المشروع التأثير على إمدادات النفط القادم إلى إسرائيل عبر مضيق البوسفور. كما أنه يزيد من النفوذ الاستراتيجي التركي في البحر الأسود وبحر مرمرة، الأمر الذي يوجب على إسرائيل، من وجهة نظر مسؤوليها وحلفائها، العمل على التحسّب له، والوقوف ضد تنفيذه.

ومن ناحية ثالثة، حالة عدم الاستقرار في منطقة بحر مرمرة وبحر إيجه وشرق المتوسط، بين تركيا وكل من قبرص واليونان وإسرائيل ومصر، وقد انضمت إليهم فرنسا، على خلفية الصراع بشأن ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية، بعد الاكتشافات الضخمة من الغاز الطبيعي في المنطقة، وتكوين ما يسمّى منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم، إلى هذه الدول، كلاً من الأردن وفلسطين وإيطاليا، في مواجهة تركيا، وتم الإعلان عنه رسمياً في يناير/ كانون الثاني 2019.

ترى إسرائيل مشروع القناة يشكل تهديداً استراتيجياً لمصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة

وبين مشروع القناة والبيان العسكري، وفي إطار الاعتبارات السابقة، تثار تساؤلات عديدة، بشأن دلالات توقيت البيان، وخريطة الشخصيات الموقعة عليه، وخلفياتهم العسكرية، فالقول إن صدور البيان عن هذه الشخصيات يأتي استناداً إلى أن المشروع بحري، وأنهم يرون أنفسهم الأكثر خبرة ودراية بالتداعيات الاستراتيجية التي يمكن أن تترتب عليه، ليس بهذه الصورة بشكل دقيق، لأنه إذا كانت هناك رؤية استراتيجية حاكمة تتفق والمصالح الوطنية للدولة، كان يمكن تقديمها عبر نقاشاتٍ واسعةٍ سواء داخل البرلمان أو عبر غيره من المؤسسات الرسمية للدولة، أو يتم تقديم مشروعاتٍ مباشرة من الأحزاب السياسية، وتفعيل النقاش الإعلامي والمجتمعي حولها، ولكن أن يصدر البيان بالصيغة والنصوص التي تضمنها، وربطه بين مشروعي القناة وتعديل الدستور، فإن الأمر أكبر من مجرّد تحذير من مخاطر مشروع. إنه تهديد من بعض العسكر للنظام السياسي الحاكم، دفاعاً عن امتيازاتهم ودورهم المركزي في المعادلة الداخلية التركية التي شهدت تحولاتٍ كثيرة خلال السنوات العشر الماضية لصالح تعزيز القدرات المدنية والمؤسسات السياسية والمجتمعية، على حساب الهيمنة العسكرية التي أفرزت انقلابات عديدة عانت منها تركيا أكثر من 65 عاماً، بداية من انقلاب 1960 على رئيس الوزراء عدنان مندريس، ثم عام 1971 على سليمان ديميريل، ثم 1980 بقيادة كنعان إيفرين، ثم 1997 ضد نجم الدين أربكان، وصولاً إلى محاولة انقلاب 2013، ومحاولة 2016.

وإذا كان النظام التركي قد نجح في مواجهة هذه المحاولات، وغيرها مما لم يتم الإعلان عنه، سواء سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً، فإن الخطر يبقى قائماً والتهديد حاضراً وبقوة، خصوصا مع وجود داعمين ومحركين إقليميين ودوليين لمثل هذه المحاولات، سعياً إلى إسقاط النظام الذي تعتبره هذه الأطراف حجر عثرة أمام تحقيق أهدافها، ليس فقط في شرق المتوسط، ولكن أيضاً في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة.