قلعة القضاء في تونس إذا انهارت

قلعة القضاء في تونس إذا انهارت

24 يناير 2022
+ الخط -

يواجه القضاء في تونس ضغطاً شديداً يكاد يكون يومياً. يصرّح الرئيس قيس سعيّد، في لقاءاته مع وزراء حكومته، بأنّ القضاء فاسد، وواقع تحت ضغوط لوبيات سياسية ومالية. يعيد تقريباً، بتعبيرات مختلفة، المضمون نفسه: أنّ السياسة "تسلّلت إلى أروقة المحاكم"، وهو يشير بذلك ضمناً إلى حركة النهضة وحلفائها الذين يتهمهم باستمالة القضاة. يسرُد عدة أمثلة عن بطء التقاضي، المتعمّد حسب تقديره. وعادة ما تكون تصريحاته تلك أمام عدسات التلفزيون الرسمي الذي عاد إلى عاداته القديمة في نقل خطابات الرؤساء فقط، بعدما توقف عن ذلك منذ الأسابيع الأولى للثورة، وقد خلنا أنّه بريء من هذا الداء، غير أنّ توقعاتنا كانت في غير محلها.
ليست مواقف الرئيس مجرّد ردود أفعال تجاه أحداث وتصرّفات شخصية أو مهنية صدرت عن القضاة في أثناء ممارستهم مهامهم وتأدية واجبهم، بل هي، على خلاف ذلك، تقوم على منهج كامل، لا يرى في القضاء سلطة مستقلة، مثلما ناضلوا في تونس عقوداً تحت الاستبداد، ودفعوا تضحيات غالية، كان ثمنها النقل التعسفي والطرد. فالرئيس لا يعتبر القضاء سوى وظيفة. إنّه يتحدث عن قضاة الدولة مقابل "دولة القضاة" كما ذكر في إحدى خطبه في الأسابيع القليلة الماضية. ويندرج هذا التصوّر الوظيفي للقضاء والقضاة ضمن رؤية شمولية للسلطة، فإذا ما أخذنا بالاعتبار جمع الرئيس السلطة التشريعية، بحكم "تجميد البرلمان وتعليق أعماله إلى أجل غير مسمّى" أي حله واقعياً، إلى جانب السلطة التنفيذية، فإنّ السلطة الوحيدة التي ظلت خارج قبضته هي السلطة القضائية. لذا، هو يرغب في إزالة آخر حصنٍ يمكن أن ينازعه مطلق سلطاته هذه.

ثمّة قضاة فاسدون مثلما هناك أطباء فاسدون وتجّار فاسدون ومهندسون فاسدون وساسة فاسدون

لا أحد يجادل الرئيس في ضرورة إصلاح العدالة والأمن، وهما مؤسّستان تلكأ الجميع في القيام بالإصلاحات الجذرية الضرورية لهما، على الرغم من حرص منظماتٍ وجهاتٍ أوروبية وأممية عديدة على أن تكون شريكاً في هذا، عبر الاتحاد الأوروبي مثلاً، ورصد إمكانات مالية وتقنية وبشرية، غير أن المشروع لا يزال في خطواته الأولى، على الرغم من مضي مدة طويلة. أما المؤسسة الأمنية، فقد تصدّت النقابات الأمنية لأي محاولة، على الرغم من تعبير مركز إصلاح القوات الأمنية في جنيف عن رغبته في أن يكون شريكاً للبلاد في هذا المشروع. حاصرت هذه النقابات المحاكم وتنطّعت ضد أي سلطة، حين تعلق الأمر بقضايا تورّط فيها أمنيون، على غرار قضايا التعذيب والقتل ضمن ملفات العدالة الانتقالية.
لا يعير الرئيس هذه المسائل الخطيرة أي اهتمام، وهو الذي يذكّرنا باستمرار بأنّه قائد القوات المسلحة، وذلك لسبب وحيد، أنّه يحتاج إليها في مشروعه، حتى ولو كان ذلك على حساب مبادئ دولة الحق والمؤسسات. لكنّه، مقابل هذا، يوجّه اهتمامه إلى القضاة، لأنّهم يقفون حاجزاً أمام رغبته في الاستفراد بالسلطات المطلقة، وهو يكرّر: "لست ممن يرغبون في تركيع القضاة".
ثمّة قضاة فاسدون مثلما هناك أطباء فاسدون وتجّار فاسدون ومهندسون فاسدون وساسة فاسدون. لكن، هل يكون هذا الفساد حجّة لهذا التحرّش المستمر بالقضاة؟ يقدّم الرئيس، في تصريحاته التلفزية أخيراً، أنّ القطب القضائي لمكافحة الإرهاب مثلاً أطلق شخصين متهمين، كلّ الدلائل تشير إلى خطورتهما على الأمن الوطني. من حق الرئيس أن يشعر بهذا. لكن، من له سلطة تكييف الجريمة وتقدير خطورتها؟ وحده القاضي، بما خوّله له الدستور والقانون. تجيب الرئيسة الشرفية لجمعية القضاة، روضة القرافي، أنّه ليس من حق رئيس الجمهورية أن يتحدّث في قضية جارية تعهد بها القضاء، لأنّ ذلك تدخل في سير القضاء وممارسة ضغوط على القضاة.

لا شيء في الأفق ينبئ أنّ القضاء في تونس خارج موجات الزحف القادم

خصّ دستور تونس 2014 الذي أنهى الرئيس سعيّد تقريباً العمل به للسلطة القضائية باباً كاملاً، كان عصارة جهد وتجربة، استفاد منها القضاة، حتى لا يقعوا ثانية تحت الضغط. لذلك كان حرصهم على استقلاليتهم كبيراً إلى حد الحديث عن دولة القضاة. لذلك، هم يبدون حالياً مقاومة شديدة تخوضها هياكلهم، على غرار جمعية القضاة التونسيين والمجلس الأعلى للقضاء الذي نص عليه الدستور، وهو أعلى سلطة قضائية في البلاد. وعمد رئيس الجمهورية، بجرّة قلم، إلى تعديل النص القانوني المنظم له، وألغى جميع امتيازات أعضائه ومنحهم. وقد جرى ذلك كله في مناخ يتصف بتحريض أنصار الرئيس على القضاة، واعتبارهم حرصاء على مصالحهم إلى حد النهم، غير أنّ القضاة أصدروا عدة بيانات أكدوا فيها أنّ أي تعديل لقانونهم من خارج ما نصّت عليه الأنظمة مُلغىً، وأنّهم متمسّكون بممارسة مهامهم، حتى ولو سحبت منهم كلّ الامتيازات. وهناك من لم يخفوا أنّ موقف الرئيس جاء مباشرة بعد رفض المجلس الأعلى للقضاء المبادرة التشريعية التي تخص "الصلح الجزائي" والتي عوّل عليها الرئيس كثيراً، أدبياً ومالياً، وهي مشروعه الذي عبّر عنه منذ سنة 2012، ويفيد عموماً بأنّ على كلّ من ثبت قضائياً فساده إعادة المال العام إلى "الشعب التونسي" من خلال بعث مشاريع تنموية في الجهات الفقيرة.
يعتقد المجلس الأعلى للقضاء في ردّه المطول على مشروع الرئيس أن البناء القانوني للبلاد التونسية لا يحتمل "العدالة التصالحية" أصلاً، وأنّ الحالة الوحيدة كانت استثناءً مع العدالة الانتقالية، إضافة، طبعاً، إلى إخلالات شكلية ومضمونية خطيرة، لا تجيز له مطلقاً الموافقة على هذه المبادرة، حتى ولو كان الرئيس وراءها.
لا شيء في الأفق ينبئ أنّ القضاء في تونس خارج موجات الزحف القادم.