قطر بين ذاكرة الدهشة وغضبة الأدعم

19 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:39 (توقيت القدس)
+ الخط -

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بالخسائر المادية وحدها، بل بمدى قدرتنا على صون الكرامة في وجه المهانة. وحين رأينا صور الغطرسة الصهيونية تُعرض على الملأ بلا وجل، أيقنّا أن الدمعة التي تُمسَح بالمنديل لم تعد تكفي، وأن المنديل ذاته قد تحوّل إلى راية احتجاج صامدة تتوافق وكبرياء الأدعم (علم قطر الوطني). إنها لحظة تختلط فيها رهافة الوجدان بصلابة الرفض، ويغدو الغضب العربي غضبًا أخلاقيًّا قبل أن يكون عسكريّاً: غضباً يذكّرنا بأن الصمت على الخذلان هو تمهيدٌ للعار، وأن الكرامة لا تُستعاد إلا حين تتحوّل الدموع إلى صرخات واعية تُقاوم الابتزاز وتفضح الزيف.

وليس عابرًا أن يكون الاستهداف موجّهًا إلى الدوحة، واحدة من أكثر العواصم التزامًا بالشرعية الدولية واحتفاءً بالسلم. فحين تُستهدف عاصمة جعلت من الوساطة لغةً، ومن القانون الدولي سلاحًا، ومن السلم خيارًا استراتيجيًّا، لا يعود الأمر مجرّد عدوان على دولة صغيرة، بل هو طعنٌ في فكرة السلم نفسها، واستهزاء بالمنظومة الدولية التي طالما تغنّى بها الغرب. إن الغدر بالوسيط ليس ضربًا من قلة الأخلاق فحسب، بل رسالة متعمدة لإسكات صوتٍ اختار أن ينحاز إلى الحوار لا إلى المدافع، وإلى الشرعية لا إلى العربدة.

لم يكتف الاستعمار الحديث باحتلال الأرض، بل صنع تطرفًا وغذّاه، ثم استخدمه ذريعة لتفتيت المنطقة وشل قدرتها عن الفعل الجماعي. واليوم، بعد أن شبّ هذا التطرف عن الطوق، صار عائقاً أمام التحرير الذي جاء الإسلام في جوهره ليؤسسه، لذلك لا بد أن نرفض أن نكون ألعوبة في يد الإمبريالية التي تُشعل النار وتدّعي إطفاءها.

لم يكتف الاستعمار الحديث باحتلال الأرض، بل صنع تطرفًا وغذّاه، ثم استخدمه ذريعة لتفتيت المنطقة وشل قدرتها عن الفعل الجماعي

لقد انحدرنا إلى هذا الدرك السحيق بسبب الاستبداد العروبي والإسلاموي معًا، اللذين حوّلا رسالتَيِ العروبة والإسلام من لاهوتٍ للتحرير ونصرةٍ للمستضعفين إلى أداةٍ للطغيان وتبريرٍ للظلم. إننا نحتاج اليوم إلى مرونة في الاعتراف بالتنوع السياسي والاجتماعي، وصلابة في الدفاع عن الكرامة والسيادة، وقبل ذلك إلى إعادة قراءة الإسلام رسالةَ تحرير تُطلق طاقات الشعوب ولا تُقيّدها، رسالةً تُبشّر بالعدل والرحمة لا بالاستبداد والإقصاء.

وهنا يبرز الموقف القطري، بعكس ما يروّج بعضهم، خيارًا براغماتيًّا لا عقديًّا، فقطر لم تتبنَّ الإسلام السياسي أيديولوجيا، لكنها تقرّ بأنه جزء أصيل من النسيج الاجتماعي العربي والإسلامي، وأن استبعاده بالقوة لا يجلب إلا الخراب. المطلوب أن يُتاح المجال للتدافع الحيوي بين جميع التيارات في مناخ ديمقراطي سلمي، حيث يُهزم الفكر بالفكر لا بالاستئصال، وحيث يتصارع السياسي لا بالسلاح بل بالبرامج والخيارات.

الإسلام الحق لا يسوغ استبدادًا، بل يفتح أفق الحرية ويذكّر الإنسان بكرامته

القمة العربية والإسلامية لن تُقاس بما فيها من هتافات أو خطب رنانة، بل بما تضعه من سياسات استراتيجية وخطط عملية تنأى بالمنطقة عن الابتزاز. لقد آن الأوان أن ندرك جميعًا أن أي خذلان لبلد عربي أو مسلم هو خذلان لنا جميعًا. ولعل الكلمة التي ألقاها الرئيس السوري أحمد الشرع، وكانت الأقصر في كل القمم العربية، تصلح اليوم شعارًا سياسيًّا بامتياز، إذ اقتصرت على بيت عريق للشاعر الجاهلي عمرو بن برّاقة الهمداني اليماني:

متى تَجْمَعِ القَلبَ الذَّكيَّ وصارِماً/ وأَنْفاً حَمِيّاً تَجْتَنِبْكَ المَظالمُ

لا يمكن للخطاب النقدي أن يكون مجرّد نفخة غضبٍ بلا مسار؛ عليه أن يحمل الشعرَ والتاريخَ والمنطق معًا، فالشعر، في لحظات الحزن هذه، يذكّرنا بأن للكرامة ذبذبةً لا تُقاس بالموازنات، والتاريخ يُعلّمنا أننا قادرون على أن ننتصر بذكاءٍ وصبر، لا بالتهافت، على المسرحيات الإعلامية. إننا نحتاجُ إلى استراتيجية تُترجم شعورَنا بالظلم إلى سياسةٍ تحرّرنا من أن نكون لعبةً في أيادٍ صغرت ضمائرها أمام مصالحَ باردة.

وختامًا، تمثل محاولة الغدر بالوسيط، وابتذال قيم الحوار، سقوطًا أخلاقيًّا مروّعًا، ليس للمنطقة وحدها بل للإنسانية جمعاء. إنها وصمة تُضاف إلى سجل الصهيونية التي لا تهدّد العرب وحدهم، بل تسوق البشرية بأكملها نحو الدمار الشامل، فلنحوّل دمعة المنديل إلى صرخة كرامة، ولنُعِد للإسلام روحه المحرِّرة التي تحمي المستضعف وتُقوّي صوته، بدل أن نتركه مطيّةً للطغاة والمتطرفين ومظلّةً لخطابات الكراهية. فالإسلام الحق لا يُسوّغ استبدادًا، بل يفتح أفق الحرية، ويُذكّر الإنسان بكرامته التي لا تُباع ولا تُشترى.

D0318FA5-DB60-4F70-8829-AC21791078A5
D0318FA5-DB60-4F70-8829-AC21791078A5
الوليد آدم مادبو

كاتب سوداني، خبير التحديث والتطوير المؤسسي، ومستشار التنمية العالمية

الوليد آدم مادبو