قراصنة الكاريبي وما وراءه

09 يناير 2026
+ الخط -

في سلسلة الأفلام الأميركية الخيالية الشهيرة "قراصنة الكاريبي" (Pirates of the Caribbean)، من إنتاج شركة ديزني، تتجسّد في شخصية بطلها الكابتن، أو القرصان، جاك سبارو (جوني ديب) ملامح ما يعرف بـ "الخير الفوضوي" (Chaotic Good). هو يفعل الصواب، ولكن بطريقته الخاصة، وبما يخدم حريته ومصالحه الفردانية والأنانية. والمفارقة أن أحداث تلك السلسلة الهوليوودية، التي من خمسة أجزاء (2003 – 2017)، تدور أساساً في منطقة الكاريبي، حيث تقع فنزويلا التي كانت، الأسبوع الماضي، مسرحاً لعملية قرصنة أميركية تمثلت في اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته من العاصمة كاراكاس، أعقبها إعلان واشنطن فرض وصاية فعلية على البلاد وثرواتها من نفط وذهب ومعادن نادرة. ومع ذلك، الفوارق بين عالم الفيلم والعدوان الأميركي على فنزويلا جوهرية لا يمكن إغفالها.

أولاً، تنتمي وقائع "قراصنة الكاريبي" افتراضياً إلى العصر الذهبي للقرصنة بين منتصفَي القرنين السابع عشر والثامن عشر، بينما وقع الغزو الأميركي لفنزويلا بعد مرور أكثر من ربع القرن الواحد والعشرين، وهو عصر يُفترض أنه يقدّس القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية. ثانياً، إذا كان جاك سبارو يجسد دور القرصان المغامر، فإن دونالد ترامب هو رئيس أقوى دولة.. دولة طالما عاقبت غيرها بذريعة خرق القوانين الدولية. ثالثاً، وعلى امتداد النقطة السابقة، سبارو شخصية هزلية وكوميدية تبحث عن الخير والحرية، وإن ضمن إطار أناني. أما ترامب، رغم طابعه الهزلي والكوميدي هو الآخر، فشخصية مظلمة ومؤذية لا تبحث عن الخير، بل عن الابتزاز والإخضاع وإلحاق الأذى. رابعاً، تمزج سلسلة "قراصنة الكاريبي" بين المغامرة والكوميديا والفانتازيا والرومانسية، بينما يقوم مبدأ "دونرو" (تركيب يجمع بين اسم ترامب (دونالد) واسم الرئيس الأميركي الأسبق جيمس مونرو) على إحياء استراتيجية إمبريالية خلّفت وراءها انقلابات وحروباً مدمرة واحتلال أراضٍ ونهب ثروات وقتل مئات آلاف. وقد أعلنت إدارة ترامب، في استراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، عزمها على إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، استناداً إلى "مبدأ مونرو 1823" الذي يعتبر أميركا اللاتينية، بما فيها أميركا الجنوبية والمكسيك وأميركا الوسطى ومعظم دول الكاريبي، "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة، ويحظر تدخل القوى الأجنبية فيها.

سعى ترامب، ولا يزال، إلى قرصنة قطاع غزة تحت ذريعة تحويله إلى "ريفيرا الشرق الأوسط"

ورغم أهمية هذه الفوارق، هناك نقاط تشابه ظاهرية بين القرصانين، سبارو وترامب، لكنها تتبدّد عند النظر في جوهرها. فكلاهما مغامر، فوضوي، مخادع، وغير متزن، ومع ذلك مفاوض ماهر. غير أن سبارو، في سياق السلسلة، يمثل وجهاً من وجوه الخير، مهما شابته الأنانية، بينما يجسّد ترامب الشرّ بكل معانيه. كما أن ساحة الأحداث التي تجمعهما هي منطقة الكاريبي، لكن ترامب لا يحصر قرصنته هناك، بل يمدّها إلى قارات العالم: آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، وأميركا اللاتينية، بل حتى أميركا الشمالية نفسها.

ومن نافلة القول إن القرصنة الأميركية لا تختزل في ترامب وحده، بل هي جزء من البنية الجينية للولايات المتحدة منذ نشأتها مشروعاً ودولة استيطانية إحلالية توسعية إبادية. ولسنا هنا بصدد سرد هذا التاريخ الطويل، لكن يكفي القول إن ترامب يمثل الوجه الفجّ الذي نزع القناع عن ممارسات حاولت واشنطن طويلاً تجميلها من دون نجاح كبير. وفنزويلا ليست سوى ساحة اختبار جديدة لمفهوم القرصنة الأميركية، ولكن هذه المرّة من دون مساحيق تجميل لا تعني ترامب شيئاً.

القرصنة الأميركية لا تختزل في ترامب، هي جزء من البنية الجينية للولايات المتحدة

وقبل فنزويلا، مارس ترامب قرصنته على بنما وقناتها الممتدة 51 ميلاً بين المحيطين، الأطلسي والهادئ، بذريعة الحد من النفوذ الصيني. ثم تحدّث عن ضرورة ضم كندا إلى الولايات المتحدة. وسعى، ولا يزال، إلى قرصنة قطاع غزة تحت ذريعة تحويله إلى "ريفيرا الشرق الأوسط". كما أرغم أوكرانيا على توقيع "اتفاقية شراكة استراتيجية" تتيح استغلال معادنها النادرة ومواردها الطبيعية، بحجة تعويض الدعم الأميركي لكييف في حربها ضد روسيا، وتأمين وصول واشنطن إلى معادن حيوية مثل الليثيوم والتيتانيوم واليورانيوم. ولا يزال يصرّ على أن الولايات المتحدة عازمة على ضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، بزعم أهميتها للأمن القومي الأميركي، رغم وجود قاعدة عسكرية أميركية فيها، ورغم أن الدنمارك عضو في حلف شمال الأطلسي. والحقيقة أن غرينلاند مطمع لترامب لما تحتويه من معادن أرضية نادرة، ولما قد تمثله من أهمية استراتيجية مع ذوبان الجليد القطبي وظهور طرق ملاحة جديدة. وينسحب الأمر على تهديداته نيجيريا، في غرب أفريقيا على بعد آلاف الأميال من الأراضي الأميركية، بذريعة اضطهاد المسيحيين، بينما الدافع الحقيقي أطماعه في نفطها الخام عالي القيمة، إضافة إلى حساباته الانتخابية المرتبطة بقاعدته "الإنجيلية". ونيجيريا، بوصفها أكبر منتج للنفط في أفريقيا، ترتبط بعلاقات اقتصادية قوية مع الصين، وهو ما يثير امتعاض واشنطن.

وما سبق ليس سوى غيضٍ من فيض في سلسلة القرصنة الأميركية، ووجهها الترامبي القبيح الممتد عبر القارّات الخمس: من كوريا والفيليبين وفيتنام، إلى العراق وسورية وأفغانستان، ومن بنما ونيكاراغوا والبرازيل، إلى المكسيك وفنزويلا وكولومبيا، ومن أوكرانيا إلى غرينلاند والقطبين الشمالي والجنوبي. كلها أمثلة في سلسلة طويلة تتيح لنا أن نعنون الفيلم الترامبي القبيح الذي نشهده اليوم: "قراصنة الكاريبي وما وراءه".