قرارات لابتزاز الجزائر .. ماذا تريد فرنسا؟

قرارات لابتزاز الجزائر .. ماذا تريد فرنسا؟

08 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

تسارع فرنسا الخطى للانسحاب من السّاحل (الأفريقي). وتعمل، من أجل ذلك، على توريط غرب المتوسّط والمنطقة السّاحلية - الصّحراوية في حالة عدم استقرار وإشكاليات أمنية قد تكون في مستوى ما يجري، الآن، في أفغانستـان والمناطق القريبة منها، جيو سياسيا. ولعل ما تعتزم القيام به متعلق بعاملين، آفاق رئاسيات 2022 والتفاهمات التي تكون قد تلت فضيحة إبعاد باريس من صفقة الغواصّات مع أستراليا، إضافة إلى أدوار تريد فرنسا أن تنخرط فيها دول المغرب العربي، خصوصا الجزائر.

وبما أنّ الجزائر، ما فتئت تعبّر عن سيادية قراراتها بعيدا عن أيّة أدوار قد تأتي في إطار استراتيجياتٍ غير مرغوبة، فانّ فرنسا تعمل، منذ فترة، وبوتيرة تبدو متسارعة وضاغطة، لدفع الجزائر نحو إقرار سياساتٍ تدخليةٍ أو مغامراتٍ عسكريةٍ خارج حدودها، بما يشبه مناولة أمنية/ عسكرية لصالح القوّة الاستعمارية السابقة بحسابات باريس، وليس بمصالح تسعى الجزائر إلى تكريسها وأدوار تريد أن تلعبها باعتبارها فاعلا محوريا في الضّفّة الجنوبية للمتوسّط والمنطقة السّاحلية – الصّحراوية، على وجه الخصوص.

يشار، هنا، إلى ضغوطٍ تريد فرنسا من خلالها فرض الأمر الواقع على الجزائر، وتستخدم كل ما أتيح لها من أدواتٍ تتضمن أربعة قراراتٍ اتخذتها، أخيرا، باعتبارها نماذج عن حركية مصلحية، مستعينة، في ذلك، بظروفٍ دوليةٍ حرجة، بفعل تجسيد القوى الكبرى معالم عالم ما بعد كورونا، ومن وحي أنّها لا تريد أن تستفيد دول الضّفّة الجنوبية المتوسّطية من صورة فرنسا المهتزّة من جرّاء إلغاء صفقة الغواصات (مع أستراليا)، وانتشار إدراك لدى صانعي القرار العالمي بأن ثمّة تدهورا في مكانة فرنسا الدولية، عكسته تغطيات الإعلام الفرنسي، في الأيام السابقة، أشارت إلى ذلك، واعتبرته إيذانا بإبعاد فرنسا من العالم الجديد.

أربعة قرارات تساهم في محاولات فرنسا ابتزاز الجزائر، بصفة خاصّة، قصد دفعها إلى اتّخاذ قراراتٍ تخدم مصالح فرنسا

أولى تلك القرارات الفرنسية التي شملت الجزائر وتونس والمغرب تشديد إجراءات منح الجزائريين تأشيرات دخول التراب الفرنسي، نتيجة، كما تزعم فرنسا، لرفض الجزائر استقبال أو استرجاع مواطنيها المقيمين فيها أو ممن دخلوا أراضيها بصورة غير شرعية، وهو ما دفع وزارة الخارجية الجزائرية إلى إصدار بيان، ثم استدعاء سفير فرنسا لإبلاغه امتعاض الجزائر ورفضها قرار فرنسا، باعتبار ذلك من موانع حرية التّنقّل للأشخاص بين البلدين. وعلّقت الجزائر، في البيان، بأنّ ما قامت به فرنسا لا يتلاءم مع ما ادّعته من تعلّق قرارها بما أطلقت عليه شأنا قنصليا وتقصيرا من الجزائر لم تقم به، لاسترجاع مواطنيها، في حين أنّ الحقيقة تتعدّى ذلك إلى قلق جزائري من أنّ من اتّخذ البلاد معبرا للذّهاب نحو أوروبا ليس للجزائر أن تسترجعه، كما أنّ من ادّعى أنّه جزائري، قد لا يكون كذلك لصعوبة تحديد هويات من يدّعون أنّهم جزائريون من المهاجرين غير الشّرعيين، بل هناك سبب أمني من أن يكون بعض الإرهابيين قد يتسلّلون ضمن هؤلاء، ليدخلوا الجزائر بدواعي التّخريب، تماما مثل ما ادّعت الدول الغربية أن موجة من الإرهابيين تسللوا مع جحافل اللاجئين السوريين الذين دخلوا أوروبا في العام 2015، وبعضهم، كما قالت فرنسا، ضالعون في سلسلة الهجمات التي تعرّضت لها باريس، وأوقعت ضحايا عديدين.

بالنتيجة، كيف للجزائر أن تتّخذ قرارا باسترجاع هؤلاء، وهم ليسوا، حتما، من مواطنيها، بتلك الدواعي الإضافية، خصوصا الأمنية منها، والتي تريد الجزائر توقّيها، لتفادي وقوع مشكلاتٍ لها صلة بعدم الاستقرار، في حين أنّ فرنسا لا تهتمّ، هنا، إلا بما يخدم مصالحها، أي التّخلّي عن عشرات من المهاجرين غير الشّرعيين، وتحويلهم إلى المغرب العربي، باعتبار أنّها تريد سدّا منيعا يحول دون تنقل هؤلاء إلى أوروبا، أو وصولهم إلى أراضي فرنسا، ولو على حساب بلدان المغرب العربي، ومنها الجزائر.

تسعى باريس نحو تخريب الانتخابات الليبية المقبلة بفرض ترشح اللواء المتقاعد، خليفة حفتر

يتعلّق القرار الثّاني بما قامت به فرنسا، منفردة، لدواعٍ انتخابية داخلية، في أفق رئاسيات 2022، وإخلالا بما اتفقت بشأنه مع الجزائر، بخصوص ملفّ الذاكرة، حيث سعت إلى ترسيم اعتذارها من الحركي (فئة المتعاونين من الجزائريين مع فرنسا في أثناء الحرب التّحريرية وانتقل جزء منهم إلى فرنسا)، وهو الأمر الذّي لا يتلاقى ألبتة مع إرادة الجزائر استخدام ملف الذاكرة لتنقية أجواء العلاقات بين البلدين، حيث عينت المؤرخ عبد المجيد شيخي للقيام بذلك العمل في مقابل المؤرّخ الفرنسي، من جانب باريس، بنجامين ستورا، ليكون العمل بعيدا عن الجدال السياسي، وفي إطار أكاديمي/ علمي بحت، متّصل بالأرشيف، والوثائق التّاريخية وبالعمل التّاريخي المنهجي. ويدخل، في هذا الإطار، إضافة إلى ما سبق، إدراج ملف الذاكرة ضمن ملّفاتٍ انتخابيةٍ، بدأ بعض المرشّحين بإثارتها، بل صرح بعض منهم بأنه إذا صعد إلى سدّة الحكم ستكون من أولى قراراته إبعاد كل ما له صلة بالذاكرة الاستعمارية عن مبدأ الاعتذار أو الاعتراف، على أقل تقدير، ما يؤكّد أن ملف الذاكرة سياسي بامتياز، وأنّ فرنسا الرّسمية (بقصد نيل ماكرون عهدة ثانية) والسّياسية (سعي المرشّحين من كل الأطياف إلى الفوز برئاسيات 2022). ويعني، هذا كلّه، من ناحية أخرى، أنّ ملّف الذّاكرة عصيّ على تفاهمات بين الجزائر وفرنسا، تسترجع من خلاله الجزائر أرشيفها المختطف، مصحوبا بمئات من جماجم الشّهداء من مجاهدي فترة المقاومة الشعبية للاستيطان الفرنسي (1830-1870)، فضلا عن أن تنال الجزائر، يوما ما، ثلاثية الاعتراف/ الاعتذار/ التّعويضات من فرنسا عن جرائمها الاستيطانية المقترفة في الجزائر من 1830 إلى 1962، بل إلى ما بعد ذلك، بفعل استمرار تجارب فرنسا النووية في الجنوب الجزائري، وما ترتب عنها من إضرار بالبيئة والإنسان.

يتّصل القرار الفرنسي الثّالث بسعي باريس نحو تخريب الانتخابات الليبية المقبلة بفرض ترشح اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، على الرّغم من علمها، تمام العلم، أنّ هذه الانتخابات لا يمكنها أن تجري، بما تسعى إليه الجزائر ودول المنطقة، بمشاركة حفتر المدعوم من أكثر من جهة، ومنها فرنسا التي تقصد من ذلك تجهيز المنطقة لتصبح منطقة رمادية، بفعل تعدُّد نقاط عدم الاستقرار، انطلاقا من تونس المترنّحةُ ديمقراطيتُها، بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد أخيرا، إلى ليبيا التي يُراد لها أن تبقى في حالة عدم استقرار، بفعل ضبابية أفق الانتخابات، من ناحية القاعدة الدستورية التي تقوم على أساسها تلك الانتخابات، حيث فصّل رئيس البرلمان، عقيلة صالح، نصّا قانونيا على مقاس ترشّح حفتر، ثم مشكلة الحكومة اللّيبية التي رُفع عنها غطاء دعم البرلمان، أخيرا، وصولا إلى منطقة السّاحل (الأفريقي) التي تريد فرنسا الانسحاب منها انفراديا، فاتحة المجال أمام أفق عدم استقرار وتهديد بأن تصبح "ساحلستان"، على وزن أفغانستان، منطقة رمادية بامتياز، بكل تفاصيل تعدّيات الأمن للجوار.

قرار فرنسا الرّابع، اعتزامها الانسحاب الانفرادي من مالي، وترك البلاد تواجه مصير عدم الاستقرار الأكيد، على غرار ما جرى بعد خروج أميركا المفاجئ من كابول، وما صاحب ذلك من مشاهد عدم الاستقرار، التي لا يُعلم مداها بعد.

تعمل فرنسا، بوتيرة تبدو متسارعة وضاغطة، لدفع الجزائر نحو إقرار سياساتٍ تدخليةٍ أو مغامراتٍ عسكريةٍ خارج حدودها

تساهم تلك القرارات الأربعة في محاولات فرنسا ابتزاز الجزائر، بصفة خاصّة، قصد دفعها إلى اتّخاذ قراراتٍ تخدم مصالح فرنسا في الملفّات المشار إليها، لأنّها تعلم أنّ المغرب العربي، بإرادة دوله تنويع شراكاتها الإستراتيجية، حتى مع المشكلات بين أكبر دوله، الجزائر والمغرب، قد يتجه إلى خيارات غير فرنسا، سواء للتسلح أو التجارة، ما قد يزيح عن فرنسا مكانتها المتميزة، تقليديا، في المنطقة. ولهذا اختارت الضغط بتلك القرارات، لعلها تجني ما تهدف إليه، وهي على علم، أيضا، هنا، أن الوقت يكون قد فاتها، لأنها لم تراعِ مصالح دول المغرب العربي، وخصوصا الجزائر، في أكثر من ملف، استراتيجيا، أمنيا/ عسكريا، سياسيا واقتصاديا، بل سعيها الحثيث إلى مناقضة مصالح قاطرتي المغرب العربي، الجزائر والمغرب، بتأييدها كل الأوضاع التي تضعف من مواقفهما، سواء في ليبيا والساحل أو على مستوى نقاط الضعف والقصور في اتفاقات الشراكة بين الدولتين والاتحاد الأوروبي، حيث لم تدافع فرنسا، البتة، عن مصالح أي من البلدين.

أبدت الجزائر الامتعاض من كلّ تلك القرارات، وسعت، بصفة سيادية، إلى إثارة ردود فعلها من خلال مقاربتين، كانت أولاها حركية دبلوماسية مكوكية، يقوم بها وزير الخارجية، رمطان لعمامرة، إلى عواصم تريد الجزائر الانطلاق منها، لفرض الإدراك الجزائري لإدارة الصراعات، وكيفية حلها مصحوبةً بتنظيم اجتماع ضمّ فرقاء الأزمة الليبية، واستقبالها المتصارعين في البلد الجار، كما أردفت السلطات الجزائرية تعابير وقوفها في وجه ذلك الابتزاز الفرنسي ببياناتٍ بيّنت رويتها من تلك القضايا، كما استخدمت الوسائل الإعلامية المتاحة، التقليدية والبديلة، لإيصال الموقف الجزائري عن قضية الحركة، ملفّ الذاكرة أو ما تعلق بتشديد باريس شروط الحصول على تأشيرات الدّخول إلى فرنسا.

تلك هي قرارات فرنسا لابتزاز الجزائر، لعلها تتجه نحو قبول لعب دور المناول للاستراتيجية الفرنسية، سواء في ملفات الهجرة غير الشرعية أو في ملء فراغ انسحابها من الساحل، وهو ما ترفض الجزائر القيام به، مع ضغطها في اتجاه الانتصار للمصالح الجزائرية على الملفات كافة، سواء منها الداخلية (ملّف الذّاكرة، التأشيرات) أو الملف الليبي الحيوي بالنسبة للأمن القومي ولأمن المنطقة برمتها.