قراءة في جغرافيات الوجوه

قراءة في جغرافيات الوجوه

30 سبتمبر 2021
الصورة

(مروان قصاب باشي)

+ الخط -

أي سرّ وراء الوجه البشري ليكون دليلي الأول نحو المعرفة والغوص في الأعماق ومحاولة تفكيك البناء الإنساني كله؟ أي سرٍّ يقودنا إليه الوجه، فنكتشف في النهاية أنه قد تحوّل إلى السر نفسه، وإلى الوجهة نفسها والوسيلة؟ الوجوه الإنسانية المختلفة المتنوعة الجميلة، والأقل جمالا في مقاييسنا المعتادة، الحميمة السعيدة والحزينة، الطفلة الطافحة بالنضارة والمرهقة بتجاعيد الزمن، الظاهرة والغائبة وراء الحجب .. الوجوه وحسب في الطريق إليها، وهي الطريق إلى بؤرة البشر.

ما زلت أحتفظ بدهشتي في مراقبة جغرافية الوجوه حولي. ما زلت أعتبر الوجه هو الهوية الأولى للمرء. أحاول من خلال التفرّس فيه التعرّف إلى صاحبه مباشرة. استخدمت هنا لفظة التفرّس في وصف طريقتي بمراقبة الوجه أو مشاهدته، على الرغم من قسوتها الظاهرة لتبيان ما أريد التعبير عنه بلطافة. لا أدري بالضبط كيف جاءت هذه الكلمة من بيئةٍ لغويةٍ قاسيةٍ لتصف علاقتنا مع ما حولنا وأمامنا من وجوه تحديدا، ومع هذا تبدو معبّرةً جدا لطريقتها في التعبير عن العلاقة.

أتفرّس الوجوه حولي، إذن، لأنفذ من خلالها إلى عمق إنساني مفترض. ومع هذا، لا أجدني أحفظ ملامح هذه الوجوه بعد غيابها عني. ربما لأنني لا أحاول الاحتفاظ في ذاكرتي بتلك الملامح، ولا أبذل أي مجهودٍ على هذا الصعيد. وهو ما يحرجني دائما مع من أعرف ومن لا أعرف من الناس. تقابلني إحداهن فتبادرني بسلام حارّ وتحيات كثيرة، قبل أن تكتشف أنني لا أعرفها، وعندها تبدأ لعبة الأخبار المقيتة بالنسبة لي.

كيف لا أعرفها وهي قد عملت معي سنوات طويلة؟ صحيحٌ أن ملامحها تغيرت بفعل الزمن الذي فرّق بيننا كما تغيرت ملامحي، لكن ليس إلى الدرجة التي تجعلني أنساها .. لم أنسها، وبمجرّد أن عرفت اسمها حتى تدفقت المعلومات والمواقف والذكريات، وانطباعاتي المتعدّدة المستمدّة من معرفتي بها طوال الوقت الذي جمعنا في العمل. ومع هذا، غاب وجهها عنها، فغابت معلوماتي عنها.. لا تبدو العلاقة منطقيةً بين الغيابين، ولكن هذا ما يحدث فعلا.

في الوجه، تبدو لي مساحة الإنسان واضحة بلا لبس ولا جهد. ومن خلال مناطق الأحاسيس والتعبير والمشاعر فيها، أستطيع أن أتواصل حتى قبل إعمال تلك المشاعر فعليا. ففي العينين، والفم والأنف وما بينها من بشرة، كثير مما يدلّنا على ماهية هذا الكائن البشري أمامك، قبل النظر والنطق والابتسامة والشم. كل شيء يبدو واضحا أمامك، إن كنت ممن يستطيع قراءة الوجوه للكشف عما وراءها. وأزعم أنني أفعل ذلك، وأستمر في التدرّب الذاتي التلقائي عليه.

لكن.. هل يعفيني ذلك من مغبّة الجهل المبني على ثقتي الزائدة بإمكاناتي في القراءة؟ لا يفعل.. ويريحني أحيانا أنه لا يفعل. أحتاج، بين فترة وأخرى، أن أقع ضحية ذلك الجهل بما أقابل من وجوه وبمن أتعرّف إليهم من بشر. أحتاج أن أستسلم لظنوني مهما كانت، لأنها تحيلني دائما إلى نقصي الإنساني الحقيقي، وهو النقص الذي نحاول تفاديه، كلما لاح لنا جانب من غرور في نهاية المعرفة.

أتأمل، وأنا أبحث في أبيات شعر عربية تناولت موضوع الوجه، وهي كثيرة جدا، في باب الغزل تحديدا، أبياتا لطيفة للعرجي إذ يقول:

"من نظرةٍ غشيتني إذ رفعتُ لها/ طرفي وما شعرت جداً سماديرُ

إلا التماحاً وبعض الوجه منكشف/ والبُردُ دوني على أسماء مستورُ

أبصرتُ وجهاً لها في جيده تلعٌ/ تحت العقودِ وفي القرطين تشميرُ"..

أطيل التأمل في هذه الأبيات تحديدا، ربما لأنها استطاعت التعبير عن سر الوجه في الانكشاف الكامل، وفي الغياب الجزئي وحسب. وربما لأن الشاعر، وهو في رحلة البحث عن جمال ذلك الوجه وصاحبه، قدّم لنا اقتراحا جميلا لقراءته وقراءة كل الوجوه الأخرى!