قراءة التاريخ تكتب المستقبل
"مَن لا يقرأ التاريخ يعيد إنتاجه"... تلك مقولة مكرورة، لكنّها مغلوطة. فالصحيح أنّ من يفعل ذلك يعيد إنتاج أسوأ فصول التاريخ، لا أفضلها إطلاقاً. ثمّة متشابهات بين حرب أميركا الراهنة على إيران وحربها على العراق في بدايات القرن، تكاد تماثل الاستنساخ. فالمراقبون يحذّرون من هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. وذلك كان حصاد جورج بوش في نوفمبر/ تشرين الثاني 2006. كانت الحرب على العراق محور الانتخابات الساخن آنذاك، والحرب الراهنة تشكّل حتماً محور الانتخابات المرتقبة.
ومن تداعيات تلك الحرب إطاحة عرّابها، دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع في حينه). ولا خبرة للوزير الحالي بيت هيغسيث في حرب إيران، لكنّ تقديمه كبش فداء ليس ببعيد. ذلك كله ليس هو الفصل الأسوأ، فالأكثر قتامةً تبنّي ترامب ما أعلنه جورج بوش آنذاك استراتيجيةً. فمع أنّها كانت خلاصة جهد "المحافظين الجدد" عقب غزو العراق، وارتبطت بروبرت غيتس (وزير الدفاع البديل ومدير المخابرات لاحقاً)، إلا أنّ ثقلها صُوّب تجاه إيران، إذ استهدفت تكثيف الضغوط عليها إلى حدّ توجيه ضربات لأهداف منتقاة. ولعلّ هذا عين ما أنتجه دونالد ترامب.
من يقرأ في استراتيجية بوش يجد اعترافاً أميركياً بفشل استراتيجية الاستنزاف، كما يتبيّن إخفاق سياسة عزل إيران
***
من يقرأ في استراتيجية بوش يجد اعترافاً أميركياً بفشل استراتيجية الاستنزاف، كما يتبيّن إخفاق سياسة عزل إيران، وإثارة قلاقل تهدّد استقرارها الداخلي، وتشديد العقوبات، ودفعها إلى فتح حوار غايته وقف برنامجها النووي. هذا السيناريو ذهب باتجاه توجيه "ضربة عسكرية وقائية" تستهدف مواقع منتقاة، بينها مراكز الأنشطة النووية. وقد أرسلت إدارة بوش حاملتَي طائرات، إحداهما دوايت آيزنهاور، إلى الخليج العربي. أبعد من ذلك، دُبِّرت بعض عمليات الاستفزاز عند الحدود الإيرانية المشتركة مع باكستان وأفغانستان، واستهدفت مصالح إيرانية داخل العراق. ورغم اعتراف مسؤولين أميركيين باللجوء إلى الضربة العسكرية بوصفها خياراً أخيراً، إلا أنّهم لم يستبعدوا تنفيذها. وهذا السيناريو نفسه أنتجه ترامب.
***
بالتزامن مع ذلك التصعيد، حذّر خبراء أميركيون بارزون إدارة بوش من مغبّة الذهاب إلى خيار الحرب. كذلك حذّر خبراء وحلفاء في المنطقة دونالد ترامب من تبنّي الخيار نفسه. وقد استندت التحذيرات، في الحالتَين، إلى ترجيح فشل تصفية المنشآت النووية الإيرانية، وإلى فرضية خلق فوضى كارثية لا تقتصر تداعياتها على الحلفاء في الإقليم وحده.
وعلى الرغم من ذلك، تجاهل ترامب التحذيرات ودروس التاريخ، مفضّلاً الخيار الأسوأ، فتورّط هو، كما ورّط الجميع، في مأزق مُستحكَم. فلا هو قادر على استئناف الحرب، ولا هو قادر على الانسحاب. وهكذا وجد ترامب نفسه ينتج واحداً من أكثر فصول التاريخ بؤساً وبواراً.
***
لا خلاف على قوّة أميركا على الصعيد الدولي، لكنّ الثابت أنّها تضطر إلى الحوار مع أيّ دولة تتمتّع بقدر من القوّة. فعقب تنفيذ كوريا الشمالية تفجيراً نووياً في أكتوبر/ تشرين الأول 2006، قبلت إدارة بوش الدخول في تفاوض معها على مرحلتَين، بعد أربعة أشهر فقط من التفجير: الأولى في سياق مؤتمر دولي سداسي، والثانية في حوار ثنائي مباشر.
ومن أبرز نتائج تلك المفاوضات تخلّي بوش عن وصم كوريا ضمن "محور الشرّ"، ورفعها من قائمة الإرهاب، وحصول كوريا على مساعدات اقتصادية. وفي المقابل، تعهّدت كوريا بتجميد نشاطها النووي مؤقّتاً. ومع ذلك، وصفت واشنطن ذلك الاتفاق بـ"الانتصار الدبلوماسي".
وهكذا يسعى ترامب إلى تسويق أيّ اتفاق بشأن إعادة فتح مضيق هرمز بوصفه نصراً دبلوماسياً.
***
منذ ذلك العام، ظلّ السؤال عالقاً عمّا إذا كانت واشنطن تقبل التفاوض مع إيران على غرار الاتفاق مع كوريا الشمالية. إذ ظلّت أميركا متمسّكةً بتوصيف ثابت يمنعها من مفاوضة إيران. وفي بنود تلك الوصفة تصوير إيران دولةً استبداديةً مناوئةً للديمقراطية، وعدوةً لحقوق الإنسان، كما أنّها مصدر تهديد لجيرانها في الخليج العربي، وعقبة كأداء أمام السلام في الشرق الأوسط.
لذلك؛ تصرّ واشنطن على فتح الملفّات كلّها، حين تحين فرصة الحوار مع إيران. ورغم ذلك، لم تمتنع عن حضور مؤتمر جيران العراق ضمن مشاركة الدول الخمس الكُبرى في مجلس الأمن، وكانت تلك بداية تغيير السياسة الأميركية تجاه إيران. وقد حثّ مفكّرون سياسيون بارزون، منهم هنري كيسنجر وزبغنيو بريجنسكي، إدارة بوش على أهمية إدارة حوار على هذا النسق من أجل السلام في المنطقة، لكن ليس بين طاقم إدارة ترامب من يعيد قراءة تجارب التاريخ ودروسه.
لدى الأطراف المعنية بنهاية الحرب الراهنة مقترحات مؤسّسة على مصالحها، تفكّك جذور الأزمة وتضع حداً لتداعياتها
***
أثارت استجابة وزيرة الخارجية كونداليزا رايس لتلك النداءات جدلاً واسعاً داخل أميركا وخارجها، إذ شكّلت تحوّلاً مباغتاً في سياسات إدارة بوش تجاه الشرق الأوسط عامّةً، وإيران بصفة خاصّة، كما نبذت الدول العربية تمنّعها، وتخلّت طهران عن رفض المشاركة في المؤتمر. فجلوسها إلى طاولة واحدة مع الولايات المتحدة له دلالات سياسية لا يمكن تبخيسها. حتى الساسة العراقيون أنفسهم احتاجوا سنواتٍ عدّةً لهضم الفكرة. وجميع الأطراف المعنية بنهاية الحرب الراهنة لديها مقترحات مؤسّسة على مصالحها، من شأنها تفكيك جذور الأزمة ووضع حدّ لتداعياتها. لكن من لا يقرأ التاريخ يفتقد حاسة الاستشراف والتنبؤ.
***
لو قرأ الطرفان التاريخ بعين التدبّر، لوجدا في استنساخ مؤتمر الجوار العراقي عام 2007 أفضل الخيارات لتفكيك الأزمة. فأيّ اتفاق إطاري ثنائي على عجل لن يكون أكثر من مسكِّن، أو في أفضل الحالات مخرجاً مؤقّتاً. والأجدى من ذلك العمل لجمع إيران ودول الجوار، إلى جانب الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، إلى مائدة حوار لا تستقصي جذور المعضلة فحسب، بل تبلور حلولاً جماعيةً شافيةً، غايتها تثبيت السلم الإقليمي.
فلكلّ دولة من دول الجوار الإيراني قضايا وهواجس ومصالح وطموحات تحتّم إشراكها في صناعة سلام دائم في المنطقة. لكن من لا يقرأ التاريخ لا يكتب أفضل فصول المستقبل.