قراءةُ الغيب أم كتابتُه؟

12 يناير 2025

(بول كلي)

+ الخط -

تكتظُّ وسائطُ الإعلام بأخبار العرّافين ومزاعم المُنجّمين في مطلع كلّ عام. وليس ذلك ببعيدٍ عن الوَلَع القديم بالكهانة والطرْقِ وضَرْبِ الرمل. إلّا أنّنا اليوم أمام نجومٍ يرتدون ملابس أكثر أناقة، ويملكون حساباتٍ على إكس وإنستغرام وفيسبوك. لقد أصبح استطلاعُ الغيب طقساً سنويّاً لا غنى عنه، وتسابَقَ الناسُ إلى سماع التوقّعات التي غالباً ما تكون خليطاً من التمنّيات والكوابيس، الممزوجة برشّةِ توابل من خيال.

لا نتحدّث هنا عن "علم" الفلك طبعاً، هل يستحقّ أم لا يستحقّ صفة العلم، فهذا موضوع آخر. ولا نتحدّث عن زبائن التنجيم والعرافة العاديّين، الذين لا يضيرهم في شيء أن تُباعَ الريحُ للمراكب، بطريقةٍ تُلقي على زحل المسكين مسؤوليّة هطل الأمطار، أو فشل العلاقات العاطفيّة، أو انخفاض سعر البيتكوين. الحديث هنا عن زبائن من نوع آخر، مختلف، هم الساسة تحديداً، خاصّة الذين يعانون أزمة ثقة مزمنة.

السياسيّ، مهما كانت درجة ذكائه، دائم الانشغال بنظريّة المؤامرة التي تُحاك في الظلام. هنا يأتي دورُ قارئ الكفّ والمنجّم والعرّاف، الذين قد تتعدّد طرقهم وتختلف أساليبهم، لكنّهم يبيعون الساسةَ البضاعةَ نفسها: الوهم. لذلك يُقبل السياسيّون على العرّافين، خاصّةً إذا أسمعوهم ما يريدون سماعه: أنَّ مستقبلهم مشرق. أنّهم الأوفر حظّاً في الانتخابات المقبلة. أنّ المعارضة ستتحطّم على "صخرتهم" تَحطُّمَ زجاجةٍ على رصيف. لكن ما إن يلمح العرّاف إلى أنّ الدوائر قد تدور على الساسة، وأنّ الشعب قد يثور عليهم، حتى يكذّبوه، ويسفّهوه، ملقين عليه أبشع النعوت، مشكّكين فيه وفي العرافة من حيث هبّت ودبّت، مؤلّبين عليها أعوانهم، باعتبارها حمقاً وغباء ودجلاً، بل خيانةً تهدّد الأمن القوميّ!

اتّصل الساسةُ بالعرّافين من أوّل فرعون إلى آخر نابليون. بعضُهم أعلن ذلك فيما فضّل آخَرون أن يبقى الأمرُ في الكواليس. يوم الأربعاء 16 يناير/ كانون الثاني 1991، عشيّةَ حرب الخليج الأولى، تحدّث فرانسوا ميتران في التلفزيون منذراً: "سيتكلّم السلاح". وكان لا بدّ من انتظار كتاب العرّافة إليزابيت تيسييه عام 1997 "تحت علامة ميتران" (دار فينيكس، باريس)، كي نعلم أنّ الرئيس استشارها بانتظام سبعة أعوام، وأنّه لم يختر التصريح في ذلك اليوم تحديداً، لاعتبارات جيوسياسيّة فحسب، بل لأنّها قالت له إنّه اليوم الأفضل لظُهوره في الإعلام... لا يمكننا أن ننكر أن بعض العرّافين قد يصيب الهدف، لكنّ السؤال يظلّ قائماً: هل هذه "التوقّعات" نتيجة رؤيا أم ثمرة تحليل؟ وكم منها يلعب دور الرسائل أو "بالونات الاختبار"، لقياس ردات الفعل أو لاستباقه.

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تطوّر إلى نوع من "الديبلوماسيّة الموازية" التي انتهجتها بلدانٌ عديدة، خطْباً لودّ كبار السياسيّين. من ذلك ما ألمح إليه الهادي المبروك (1921-2000)، أحد وزراء الخارجيّة التونسيّة في عهد بورقيبة، حين أشار في كتابه "أوراق الخريف" (دار الجنوب، تونس، 2012)، إلى الإجازات التي كان يقضيها عمدة باريس في ذلك الوقت، جاك شيراك، في مدينة نقطة في واحات الجنوب التونسي، لزيارة العرّاف الشهير الراحل، طالب عمّار، الذي تكهّن له بأنّه سيصبح رئيساً لفرنسا ذات يوم. وقد أكّد شيراك الواقعة في مذكّراته. كما أكّدها آرنُو أردوان في كتابه "لغز جاك شيراك"(لوشارش ميدي، باريس، 2017)، وظلّ هذا العرّاف حتى رحيله قِبلةَ مشاهير، من بينهم الرئيس الفرنسيّ الأسبق جيسكار ديستان، والممثّلة بريجيت باردو، وآخرون.

تضخّمت الظاهرة هذه السنة. احتدّت لغتُها أكثر من أيّ وقت مضى، وبدت على صلةٍ بترسانة الحروب الدائرة. لم نعد أمام الرغبة "المعتادة" في استكشاف الغيب، بل بتنا أمام شيء آخر. شيء على قلقٍ، بين أساليب الخداع اليوميّ، والألاعيب النفسيّة الاجتماعيّة، وحِيَل إدارة الشأن العامّ. والحقّ أنّ هذا القلق ليس وليد اليوم. كان الجنرال ديغول من أكثر السياسيين عقلانيّة، ومع ذلك اعتاد استشارة القائد موريس فاسيه، وهو عسكريّ تعلّم العرافة في المستعمرات الأفريقيّة. وقد استشاره قبل استفتاء 1969، الذي أنهى مسيرته السياسية، فحذّره قائلاً: "لن يكون الاستفتاء قراراً صائباً"، لكنّ الجنرال لم يسمع التحذير. هل كان فاسيه يتحدّث منجّماً، أم خبيراً عسكريّاً وسياسيّاً؟ ومع من نتعامل في حقيقة الأمر: مع أدعياء قراءة الغيب، أم مع مُكلّفين بمهمّة كتابة الغيب على المقاس؟

شاعر تونسي ومترجم من الفرنسية.
آدم فتحي
شاعر تونسي ... وشاعر غنائي ومترجم من الفرنسية.