قدر المسلمين في جدارية مجلس الأمن

04 أكتوبر 2020
الصورة

لوحة بير كروغ في الأمم المتحدة (ويكيبيديا)

+ الخط -

"الغرفة النرويجية".. هكذا يلقب الدبلوماسيون قاعة مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، لكونها هدية ثمينة من النرويج للمنظمة الدولية. تهيمن على هذه القاعة جدارية وصفها الأمين العام السابق، بان كي مون، عند ترميمها في إبريل/ نيسان 2013 بهذه العبارات: "الخلفية الشهيرة لكل ما يدور في هذه القاعة، رسمها الفنان النرويجي العظيم بير كروغ، وتُظهر طائر الفينيق وهو ينهض من رماد الحرب والقمع. وقد برزت من جديد، لترمز مرة أخرى، بألوان نابضة بالحياة، إلى الآمال الأبدية للبشرية، إلى السلام والحرية". 

تَأَمَّلْتُ هذه اللوحة عن قرب، وأنا أغطي جلسات مجلس الأمن لقسم البيانات الصحافية في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، ولطالما رأيت فيها تعالياً للغرب، وتمييزاً ضد المسلمين خصوصاً. قراءتي التالية الجدارية لا تتطلب دراية معمّقة بالفن التشكيلي، بقدر ما تحتاج إلى عين مجرّدة، ورغبة في استجلاء ما ظل مخبأً على مرأى الجميع ما يقارب سبعين عاماً.

وجود المسلمين بالقرب من التنين، أحد رموز الشرّ في التعاليم المسيحية الأوروبية، يعطي اللوحة بعداً دينياً

أنجز كروغ هذه اللوحة الزيتية في ما بين 1950 و1952، وهي تغطي تسعة أمتار على خمسة من الجدار الشرقي للقاعة، وتتكوّن من ثمانية مشاهد بتركيب يشبه خانات الأشرطة المرسومة، تشخص كل منها فكرة وتبعث رسالة. أفقياً، تبدو اللوحة وكأنها تنقسم إلى جزأين: علوي يشع نوراً، تتراقص فيه ألوان مبهجة تشعلها لمسة اللون الأزرق الأُمَمِي، وسفلي موغل في أجواء الحزن والبؤس الظلام. هكذا يصف كروغ ما جادت به ريشته في هذه الجدارية: "في الواجهة يوجد العالم الذي نتخلى عنه، مرسوماً بألوان بئيسة تتدرج بين أخضر رمادي، ولون الصدأ، وأزرق فولاذي. النور، والألوان اللامعة، والخطوط المتصاعدة تغطّي بقية اللوحة. يتخلى الجندي عن أسلحته ويلج الأمم المتحدة، بعد أن هَزَمَ التنّين الشرّير بسيفه. الرجل والمرأة في اليسار يخرجان من يأس الكآبة. وفي اليسار يُحَرَّرُ أسير أبيض البشرة، وآخر أصفر، وثالث أسود. الإنسانية تتدفق نحو العالم الجديد لتلتحق بالفينيق، جميعهم يجتمعون بأيدٍ مفتوحة وأذرع ممدودة. لا يوجد بينهم إنسان مغلول الأيدي. المساواة تجسّدها مجموعة من الأشخاص تزن القمح الذي سيوزّع بالتساوي. حاولتُ ألّا أستعمل الرموز العادية والمستهلكة. يجسّد الحرية رجل يقود حصاناً، ليسمح له بالركض بحرية في المروج الخضراء. الأخُوّة تظهر من خلال اتحاد الأمم والأجناس في اللوحات المركزية. الكل مضاءٌ بأشعة الشمس (...) في الوسط لوحة بيضاوية سميتها السلام. شخصان راكعان وجهاً لوجه، يحيط بهما أطفال. انتهت الحرب؛ هدوء عظيم يحيط بهم. إنهم في سلام".

تفسيرات الفنان ليست بهذه الأهمية، الأهم ما رسمه ولم يفسّره، فلم يشرح كروغ لماذا جعل الإنسان الأبيض يهيمن على عالم الأمم المتحدة، يحتكر ممارسة العلوم، يستفرد بالمساواة، والحرية، والسعادة، ومحاربة الشر، وتحرير الآخرين من قيود العبودية. الحقيقة أنه حاول إدماج الأعراق الأخرى في بعض مشاهد عالمه العلوي، نزولاً عند رغبة الأمم المتحدة التي كلفته برسم اللّوحة مقابل مبلغ غير معروف، ولكن تعالي الرجل الغربي المتحضر ربما طغى على وعيه. 

أما الجزء السفلي من اللوحة، وهو المُغرق في الرمزية، فلم يتطرّق له بالتفسير. اكتفى الفنان باختزال الحرب العالمية الثانية التي قامت على أنقاضها المنظمة الدولية في رسم جندي يتقدّم مدفعية، وقدماه تطأان ذيل "التنّين الشرّير" المحاصر بالنار. كان من المتوقع أن تأخذ الحرب العالمية الثانية حيزاً أكبر، خصوصاً وأن كروغ ذاته عايش اضطهاد النازية في أحد معسكرات العمل القسري خلال الاحتلال الألماني النرويج في عام 1942. لكنه بدلاً من ذلك، فضّل تأثيت العالم السفلي لجداريته، عالم الشرّ والظلمات، بمجموعة أشخاصٍ توحي ملامح أوجههم، ولباسهم بأن أغلبهم مسلمون، لارتدائهم الجلباب والطاقية والطربوش والعمامة، وتتوسطهم امرأة محجبة تلتحف ثوب "الحايك" على الطريقة التقليدية المغاربية. أشخاصٌ تحلَّقوا حول ألسنة اللّهب وكأنهم حطبه. وفي الزاوية اليسرى، داخل كهف مظلم أسفل سافلين، يقبع رجل مسلم آخر يرتدي جلباباً رجّالياً، ويمسك رأسه بيده، ويبدو غارقاً في همومه. 

 لا ترى الأمم المتحدة في حشر المسلمين قرب النار وداخل الكهف أياً من أشكال التمييز

كنت كلما تهتُ في الجزء السفلي من الجدارية، يستوقفني الرجل المسلم الملتحي الذي يرفع أكفّه للسماء متضرّعاً إلى الرب، ورجل الكهف المهموم، والسيدة التي تلتحف "الحايك"، ويطوّقونني بالسؤال: ما الذنب الذي اقترفناه ليُلقى بنا في هذا العالم المظلم؟ وما معنى دائرة النار التي نصطف حولها؟ وماذا يعني وجودنا بقرب التنين الشرّير؟ وأسئلة أخرى لم أجد لها جواباً في تعليق الفنان على عمله تجاه عالمٍ حَكَمَ عليه بالزوال، في الخمسينيات من القرن الماضي. 

وجود المسلمين بالقرب من التنين، أحد رموز الشرّ في التعاليم المسيحية الأوروبية، يعطي اللوحة بعداً دينياً يتجلى، قبل كل شيء، في رمزية بعض الأشكال الهندسية، فقد اختار كروغ أن يرسم المشاهد العلوية على شكل جدارياتٍ متعددة المصاريع (بوليبتيك)، على غرار جداريات كاتدرائيات عصر النهضة وكنائسه. وتتوسط البوليبتيك هالة لوزية الشكل تسمى "ماندورلا"، وهو شكل هندسي مقدّس، اشتهر باحتوائه أيقونات المسيح ومريم على وجه الخصوص. تحوّل الماندورلا الزوج السعيد في أعلى اللوحة إلى حواء وآدم راكعين في جنة الخلود، ويطلّ عليهما برأسه الفينيق الأسطوري (العنقاء)، طائر الخلود الذي يرمز في التعاليم المسيحية إلى القيامة والانبعاث. ويشكل طائر الفينيق حلقة الوصل والتحول بين عالم الشرّ السفلي وعالم الخير العلوي. لقد رتب كروغ قصته وسط اللوحة بشكل عمودي، حيث ينتقل بعين المشاهد من جهنم التنّين إلى جنة آدم وحواء وذريتهما. أما الأمم المتحدة فلا ترى في حشر المسلمين قرب النار وداخل الكهف أياً من أشكال التمييز.

رتب كروغ قصته وسط اللوحة بشكل عمودي، حيث ينتقل بعين المشاهد من جهنم التنّين إلى جنة آدم وحواء وذريتهما

ربما لم تكن هذه اللوحة مزعجة بهذا القدر، لو عُرضت في رواق أو متحف ما، فالفنان حرّ في خياله وإبداعاته. أمّا أن تُعرض في أهم قاعة في مقر منظمةٍ تلقن العالم منذ أزيد من 75 سنة دروساً في حوار الديانات، ومناهضة العنصرية والتمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين، فهذا صادم. تحت هذه الخلفية، قرّر أعضاء المجلس الحرب على العراق، ومهّدوا لدمار ليبيا، ومنعوا إنقاذ سورية، ومارست أميركا دكتاتورية "الفيتو" عشرات المرّات ضد فلسطين، وغيرها من قرارات ساهمت في تدمير المنطقة العربية، فما قصة هذه اللوحة المسيئة للمسلمين؟ وما السر وراء وجودها في قاعة مجلس الأمن بالذات؟ 

في كتابها عن بناء مقرّ الأمم المتحدة، تذكر الأكاديمية الأميركية، ليندا فيبس، أنه في عام 1948، اقترح الرسام الإسباني بابلو بيكاسو رسم جدارية في الأمم المتحدة، لكن فكرته قوبلت برفض قاطع من أول أمين عام للهيئة الأممية، النرويجي لي تريف، المحافظ الذي لم يكن يحب أعمال بيكاسو وتوجهاته اليسارية. كان الأجدر بالمنظمة أن تحتفي بأحد أعمال بيكاسو، الفنان الأكثر تعبيراً عن عبثية الحرب، لكن الأمين العام قرّر غير ذلك، ويبدو أن يداً له كانت له في فرض رسومات كروغ على المنظمة. وتواصل فيبس بأن اللجنة التي كانت تشرف على اختيار الأعمال الفنية، قبل عرضها في مقر الأمم المتحدة في نيويورك آنذاك، رفضت، في البداية، تصميم كروغ، بعد أن وصل إليها رسم إعدادي مرفق بشرح لتصوّره للجدارية. وعارضت اللجنة فكرة عرض لوحةٍ في هذه القاعة من الأساس، خشية أن يتسبب الرّسم في تشتيت انتباه أعضاء المجلس. ولكن لي تريف المهندس المعماري النرويجي، والمسؤول عن تصميم القاعة، أرنستين آرنبرغ، مارسا عدة ضغوط على اللجنة لقبولها عرض لوحة كروغ في أهم قاعة في المنظمة، حسب مؤرخة الفن النرويجية، إنجبورغ غلامبك. 

اقترح بيكاسو رسم جدارية في الأمم المتحدة، لكن فكرته قوبلت برفض قاطع من أول أمين عام للهيئة الأممية، النرويجي لي تريف

أما الأكاديمة النرويجية، ماريا ساندفيك، فإنها تتساءل عما إذا كان لي تريف وآرنبرغ قد ضغطا على كروغ ليرسم الجدارية في اتجاه معين. سؤال وجيه، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار مواقف تريف المعادية للعرب، والفلسطينيين تحديداً، والتي بلغت حد تعاونه مع منظمات صهيونية مسلحة، وتسريب معلومات عسكرية ودبلوماسية ساهمت في تأسيس إسرائيل، وإدانة ردود فعل الدول العربية. دعم تريف الكيان الصهيوني جعل الصحافي النرويجي أود كارستن، المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، ينعته بـ "الأب الروحي لإسرائيل". 

من الصعب التحقق ممّا دار بين الثلاثي النرويجي، كروغ وتريف وآرنبرغ، لكن اللوحة ما تزال هنا، أمام أعيننا، تحبس المسلمين في عالم العتمة والظّلم ما يناهز سبعين عاماً. جدارية مجلس الأمن تتباهى بتفوّق الرجل الأبيض على غيره من الأعراق، ولا تخفي التمييز ضد المسلمين، وهي بذلك تفضح زيف منظمةٍ تخفي وجهاً قبيحاً وراء قناع ملاك الرحمة.