قبل أن تنتقد الديمقراطية قل لي أين تقف؟

07 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

على خلفية الانتخابات الأميركية، عادت أصواتٌ تكرّر التركيز على ما تعتبره تمثيلية مزيفة. أصوات الناخبين بلا قيمة في المجمع الانتخابي، والناخبون أنفسهم بلا إرادة أمام تلاعب أرباب المال والإعلام واللوبيات.

بالتأكيد، ثمّة أوجه منطقية للغاية لنقد النموذج الأميركي، أو الديمقراطية كلها كفكرة، لكن يجب أولاً أن نعرف من أين يأتي هذا النقد؟ ثمة من ينفرون من النظام الأميركي، لأنهم يحنون لعراق صدام أو ليبيا القذاقي، أو يمتدحون عبقرية نماذج سورية الأسد أو مصر السيسي. إذا كان الناقد منطلقا من عشقه السلطوية، فقد مات الكلام قبل أن يبدأ.

فارق شاسع بين نقد الديمقراطية من مربع يهدف إلى إصلاحها ونقدها من مربع يهدف إلى تدميرها أصلا، بين نقد يهدف إلى الوصول إلى نظام أفضل تمثيلاً لمواطنيه ونقد يهدف إلى إلغاء تمثيل المواطنين. وأخيرا، أصبح هذا النوع من النقد أكثر شعبية، بفضل آلات إعلامية إقليمية عربية، وكذلك عالميا بفضل "البوتينية"، حيث تسعى روسيا، بجهودها الإعلامية والسياسية، إلى ترسيخ النظم السلطوية. في 2019، جاهر بوتين برؤيته أن الليبرالية قد "عفا عليها الزمن"، وتُناقض مصالح أغلب المواطنين. 

في المقابل، البديل الذي يطرحه هو "الخصوصية الثقافية"، كل دولةٍ تفرز نظامها الخاص، أي، بعبارة أخرى، روسيا بطبيعتها الأنسب لها أن يحكمها بوتين عشرين عاما، ويسجن الصحافيين ويغتال معارضين، وكذلك الطبيعة الليبية يناسبها القذافي، واليمنية يناسبها علي عبدالله صالح .. إلخ! 

زاوية أخرى للنقد الهدام، هي زعم وجود مساواة عدمية قائمة بالفعل، حيث المجمع الانتخابي يهدر أصوات الأميركيين، بالضبط كما تهدر الانتخابات العربية أصوات شعوبنا، ويصبح ترامب مثل بايدن، وبوتين مثل ميركل، والنرويج مثل الصين. عادة، يهدف هذا الخطاب إلى دفع الشعوب إلى الرضا بواقعها، عبر تسفيه النموذج الذي تطمح له، أو بهدف تقسيم العالم إلى فسطاطين مريحين، أو حتى بغير هدف، إلا التطهرية اليائسة، أو الوصول إلى مرحلة الأوهام المؤامراتية، مثل وجود مجلس ماسوني سرّي يحكم العالم. وإذا كان المتحدّث من هذه الفئة، فلا مجال بالطبع لأي نقاشٍ مثمر، مثل طرح الجذور التاريخية لنظام المجمع الانتخابي، ومزاياه وعيوبه، وخطوات بعض الولايات الأميركية إلى إدراج تعديلاتٍ عليه.

زاوية ثالثة للنقد الهدّام تأتي من إسلاميين أصوليين ينتقدون الديمقراطية الليبرالية، والحداثة بالمجمل، لأن البديل هو العودة إلى ماضينا المشرق، إلى مجتمعٍ مسلمٍ يحكم بالشريعة، حسب مفهومها الثابت في "القرون الثلاثة المفضلة"، وهذا طريق استعادة إمبراطوريتنا الفقيدة. وللمفارقة يتفق معهم متثاقفون، إسلاميون أو قوميون، يستخدمون أطروحاتٍ غربيةً تتناول أوجه نقد الحداثة، مثل "الاغتراب" وتوسع سلطات الدولة، لا بهدف تقويمها، بل بهدف نقضها. 

ولم يتوقف هذا النقد العبثي، على الرغم من تجارب عديدة شهدناها واقعا. في قصة صحافية مطولة نشرتها مجلة "نيويوركر" عن انتخابات البرلمان المصري عام 2015 في محافظة سوهاج في صعيد مصر، نشهد نموذجاً عملياً لما يحدث حين يزول وجود الدولة. ارتدّ الناس إلى انتماءات قبلية مثل "العرب" و"الهوارة". يَظهر نموذج "ديمقراطية غرفة المعيشة" كما يسميها التقرير، حيث يصوت 600 فرد في الأسرة حسب مزاج كبيرها، وحيث يتم تهميش المرأة والفقراء، وينبني النفوذ على مساحة الأرض وعدد البهائم. "الغضب هو العاطفة الشائعة وكذلك الفخر القبلي"، حسب تعبير الصحافي بيتر هيسلر. .. وإقليميا، شهدنا ارتداداتٍ أكثر دموية، حيث اندلعت حروبٌ أهليةٌ على أساس انتماءاتٍ طائفيةٍ وقبليةٍ. 

وفي المقابل، ليس الاستنتاج هو روعة الأنظمة البائدة، بل بالعكس، ما ظهر أن عقودا من الاستبداد لم تحقق دولة مواطنة حديثة، بل فقط كانت تكبت الجمر تحت رمادها. .. لم يصل العالم إلى نموذج الدولة الحديثة الديمقراطية الليبرالية نتاج نبت شيطاني ما، بل نتاج تفاعل بشري تراكمي عبر آلاف السنين منذ نشأة الدول القديمة.

فلنعد إلى الأصول الأولى: الهدف هو حماية جسد الإنسان من الانتهاك، وأملاكه من السلب، وحريته من التقييد. كل ما يقرب من ذلك هو سعي مشروع، وكل ما يبعد عن ذلك هو عسف مرفوض، مهما بلغ تعقيد المصطلحات، أو ضخامة اللافتة، أو بريق الشعار.