قانون الأحوال الجعفري: خطوة إلى الوراء
عراقيات يتظاهرن في بغداد ضد تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8/8/2024 فرانس برس)
عاد إلى واجهة النقاش في العراق، في الأسبوع الماضي، الحديث عن قانون الأحوال الشخصية الجعفري، بعد نشر مدوّنة الأحوال الشخصية الجعفرية التي ضمّت 337 مادة موزّعة على خمسة أبواب: تبدأ بالزواج وأحكامه، ثم الطلاق والفُرقة، والنسب والحضانة والنفقة، وتُختتم بالميراث والوصية وأحكام متفرّقة وختامية.
وكان البرلمان العراقي قد أقرّ هذا القانون (الشيعي) بالتصويت، وسط أجواء عاصفة، في 21 يناير/ كانون الثاني 2025، كما صوّت على إقرار المدوّنة الفقهية الملحقة بالقانون، رغم أنها لم تكن قد أُنجزت بعد. وفي واقع الحال، يعزل القانون ومدوّنته الفقهية الشيعة في العراق عن بقية المواطنين في شؤون الأحوال الشخصية، ويُخرجهم من مظلة القانون المدني للدولة ليعيدهم إلى سلطة الفقهاء. حتى بعض المؤيدين لإقرار القانون الجديد أبدوا استغرابهم من الأصولية الصارمة في المدوّنة الشيعية، وكانوا يتوقّعون أن يأخذ المشرّعون بالحسبان كثرة الآراء المعارضة، ولا سيما من نساء المجتمع الشيعي العراقي، وأن يكون القانون أكثر مرونة و"تقدّمية".
وقبل الانتهاء من صياغة المدوّنة الفقهية ونشرها (وهو ما جرى منذ أيام)، كان القانون قد دخل حيّز التنفيذ منذ ستة أشهر، وبدأ القضاة بالأخذ بأحكامه، خصوصاً في المدن والمحافظات ذات الغالبية الشيعية. وعلى الرغم من تأكيد مؤيدي القانون أنه اختياري، تفيد شهادات محامين ومقرّبين من أوساط المحاكم بأن ضغوطاً تُمارس أحياناً لحثّ المتقدّمين للزواج على تسجيل عقودهم وفق أحكام الفقه الجعفري، بديلاً عن القانون المدني الموحّد المعمول به منذ عام 1959.
صحيحٌ أن صفة الاختيارية تُخفّف كثيراً حدّة الانقسام في الرأي داخل الشارع العراقي، غير أن الأمر يفقد هذه الصفة إذا ما مورست ضغوط قضائية أو نفسية لإجبار المتقدّمين للزواج على اعتماد القانون المذهبي بديلاً عن القانون الوطني. كما أن قراءة مواد القانون الجديد تكشف أنه أعطى صلاحياتٍ أوسع للرجل على حساب المرأة، إذ يستطيع أن ينتقل إلى القانون الجعفري حتى بعد زواجه وفق القانون الوطني، ومن دون الحاجة إلى موافقة شريكته في عقد الزواج أصلاً. كما أن "الأعلوية" لسلطة القانون غير واضحة، ففي حال اختصم طرفان أمام المحاكم، وفضّل أحد الطرفين اللجوء إلى القانون المدني، بينما فضّل الآخر القانون المذهبي، لمن تكون الأعلوية هنا؟ في الحقيقة الأمر ينتهي إلى مزاج القاضي وتأويلاته.
يمثّل القانون الجديد انتكاسة وتراجعاً في حقوق المرأة، فضلاً عن ضبابية مرجعية الاحتكام القضائي، إذ يمنح صلاحيات واسعة لرجال الدين خارج مؤسّسات الدولة الرسمية. كما يجيز، في بعض الحالات، لـ"المرجع الديني الأعلى" الاستيلاء على إرث الزوجة من العقار والأرض بعد وفاة زوجها، من دون النظر إلى مدى اعتراف الناس بهذا المرجع، ومن دون تحديد دقيق لهويته أو الآلية التي يُصبح بها شخص ما مرجعاً أعلى.
ما يزيد خطورة هذا القانون أنه يُعمّق الانقسام المذهبي بين العراقيين، في بلدٍ عُرف بأنه من أكثر البلدان العربية انتشاراً للزيجات المختلطة. وقد استمرّت هذه الوتيرة رغم كل الاحتراب الأهلي والصراعات الطائفية، ففي تقرير نشرته صحيفة "العربي الجديد" في 17/11/2014، ذُكر أن نسبة الزواجات المختلطة بلغت 37% من الزواجات المسجّلة في العراق خلال عامي 2012 و2013، بينها 8% زواجات بين مسيحيين ومسلمين.
يفرض القانون الجديد ضغطاً جديداً على المرأة الشيعية، ويُدخل عنصراً إضافياً للمشكلات والتوترات داخل الأسر الجديدة، خصوصاً أنه يتضمّن تطبيقاً بأثر رجعي على الزواجات المبرمة سابقاً وفق القانون المدني الوطني.
إنها ساحة مواجهة أخرى توجب على المنظّمات النسائية والمجتمع العام أن يعيدوا تنظيم صفوفهم للإصرار على التمسّك بالقانون الوطني ومقاطعة القانون المذهبي، باعتباره الضامن الوحيد، حتى الآن، لحقوق المرأة والطفل، في بلد تُنتهك فيه الحقوق المدنية يومياً، وأحياناً على أيدي نوّابه ومشرّعيه أنفسهم.