في وداع هشام جعيط

في وداع هشام جعيط

04 يونيو 2021
الصورة

(رسم: أنس عوض)

+ الخط -

كنت، وبعض أبناء جيلي في تونس (ما يسمى جيل السبعينيات)، ونحن نتهيأ لاجتياز شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، نتابع بشغف كتابات مفكرين أفذاذ، منهم عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري والطيب تيزيني وإدوارد سعيد ومحمد أركون وأدونيس ومحمد الطالبي وهشام جعيط وغيرهم. كانت كتاباتهم مادة نقاشاتنا التي لا تنتهي، ولعلنا كنا نتعسّف على أنفسنا وعقولنا بحكم صغر السن ومحدودية الإمكانات الذهنية والمادية.

وبارتقائنا إلى الجامعة، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية في تونس، تحديدا مع سنوات الثمانينيات الأولى، كنت، وبعض الأصدقاء، نواظب على متابعة محاضرات الراحل هشام جعيط، الموجهة للمرحلة الثالثة. وأذكر موضوعها في ذلك الوقت، "الصحابة البدريون في عهد معاوية". كان الأستاذ الأرستقراطي الأنيق نجما ساطعا في كليتنا، يحرص الجميع على حضور محاضراته ومتابعتها، ويتهيبون من ملاقاته وجها لوجه. ولم يكن يضاهيه في هذه المنزلة غير الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، الذي سبقه في التدريس في الكلية نفسها، وكانت محاضراته هي الأخرى محفلا عاما يهرع إليه طلبة الكلية، والمريدون من خارجها من الزملاء في الأجزاء الجامعية الأخرى، وحتى من خارج الحرم الجامعي.

أبهرنا بخروجه عن "النص"، واستطراداته الكثيرة في الفلسفة والتاريخ والآداب

كان الأستاذ المتميز، هشام جعيط، يبهرنا بخروجه عن "النص"، واستطراداته الكثيرة في الفلسفة والتاريخ والآداب، مراوحا بين اللغتين العربية والفرنسية بإتقان نادر وأسلوب مميز. وجعلني هذا الانبهار بهذه الشخصية أخشى محادثته ونقاشه بصفة مباشرة. ولكنه دفعني إلى التوغل في قراءة أعماله، ومتابعة ما يصدره من مقالات وكتب، بإعجاب شديد ونهم لا يقاوم. وأبرز هذه الأعمال التي ساهمت في نحت كياني الثقافي والفكري في كتابه الشهير الذي أصدره وهو على مشارف الأربعينيات "الشخصية العربية والإسلامية والمصير العربي"، وصدر بالفرنسية سنة 1974، ثم مترجما عن دار الطليعة في بيروت سنة 1984. وكذلك كتابه "أوروبا والإسلام – صدام الثقافة والحداثة"، والصادر في طبعة أولى بالفرنسية سنة 1978، ثم في ترجمة عربية عن دار الحقيقة في بيروت سنة 1980، قيل إن المؤلف لم يكن راضيا عنها. لذلك صدرت ترجمة ثانية له عن دار الطليعة في 1995. وأطروحته الشهيرة "الكوفة، نشأة المدينة العربية الإسلامية"، وقد صدرت هي الأخرى بالفرنسية سنة 1986، وفي ترجمة عربية عن مؤسسة الكويت للتقدّم سنة 1986 ثم عن دار الطليعة سنة 1993. وفي 1989 صدر كتابه الحدث، ولعله أشهر كتبه الذي ارتبط اسمه به، "الفتنة – جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر". وقد صدر عن دار غاليمار بالفرنسية، وترجمه خليل أحمد خليل، ليصدر سنة 1991 عن دار الطليعة ببيروت. ثم يأتي كتابه الذي أثار عاصفة من النقاشات في تونس وفي الوطن العربي وأوروبا، "أزمة الثقافة الإسلامية"، الصادر عن دار الطليعة بالعربية، ثم في نسخة فرنسية سنة 2004 في باريس عن دار فايار. وفي السنة نفسها كذلك أصدر هشام جعيط كتابه "تأسيس الغرب الإسلامي – القرن الأول والثاني هجرية"، عن دار الطليعة ببيروت، وصولا إلى ثلاثيته في السيرة النبوية، "الوحي والقرآن والنبوة"، و"تاريخية الدعوة المحمدية في مكة"، و"مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام".

مسيرة هشام جعيط إذن انطلقت سنة 1974 لتنتهي بآخر أعماله الصادرة سنة 2021 تحت عنوان "التفكير في التاريخ – التفكير في الدين"، عن دار سيراس للنشر بتونس. ويمثل هذا الإصدار خاتمة أعماله ومفتاحها أيضا، إذ تتجلى فيه نظرة المفكر والفيلسوف هشام جعيط في التاريخ البعيد للبشرية، وفي الدين واقعا تاريخيا. كما يبرز تأملاته في نزوع الانسان لمعانقة المطلق. ويكشف هذا المؤلف عن عمق إلمام صاحبه بمنجز كبار الفلاسفة الغربيين، وخصوصا الألمان كـ"هيغل" و"ماركس" و"نيتشه" و"فورباخ" و"هايدغر" وفلاسفة ألمان آخرين تطرّقوا إلى قضية الحداثة بزوايا مختلفة.

تتعدّد عناوين مؤلفاته، وتشكل مشروعا واحدا لا يمكن فصل حلقاته، بل هي تأتي متكاملةً متناغمةً يتمم بعضها بعضا

والملاحظ أن مجمل أعمال هشام جعيط، على الرغم من تعدّد عناوينها، تشكل مشروعا واحدا لا يمكن فصل حلقاته، بل هي تأتي متكاملةً متناغمةً يتمم بعضها بعضا، ليدور نسقها العام حول إشكالية أساسية، محورها الثابت الهوية التاريخية للأمة العربية الإسلامية. ويبرز هذا خصوصا في ثلاثية السيرة النبوية التي جاءت ثمرة عمل متدرّج ومتناسق امتد عقدين. ومن الواضح أن أطروحته عن الكوفة كانت إعلانا عن اهتمامه بالفترة المبكّرة من التاريخ الحضاري العربي الإسلامي، الذي رافقه طوال سنيّ عمره في محاضراته ومقالاته وكتبه. ويرى جعيط أن المستشرقين الذين اهتموا بهذه الفترة، على سعة اطلاعهم، لم يأتوا بمنجز يُذكر في هذا الميدان، إذ جاءت دراساتهم هزيلة، على الرغم من محاولاتٍ لا تنكر. لذلك اعتبر دارسوه أنه من المؤسسين الأوائل في دراسات هذه الفترة، حيث قطع مع مناهج المستشرقين، وفتح أفقا معرفيا مغايرا. ولا ينفي هؤلاء هنا تأثّره بابن خلدون وهيغل وماكس فيبر ومارك بلوك وبرودال وغيرهم. كما أنهم يرون أن الراحل كان متميزا، منذ بداياته، في نهجه الفريد في البحث والدراسة، فكتابه "أوروبا والإسلام"، الذي كتبه وهو في أوج شبابه، مثّل لفترة طويلة مرجعا في العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي، كذلك كتابه عن الفتنة قد أحدث منعرجا كبيرا في دراسة التاريخ الإسلامي الأول. كما نجح جعيط، وهو مختص في التاريخ بالأساس، في أن يجعل من التاريخ مادّة فكرية جدلية، لا مادّة إخبارية مملة، وكأنه على منهج ابن خلدون في اعتبار "التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار .. وفي باطنه نظر وتحقيق".

اللافت في مسيرة هذه الشخصية الفذّة ترفّعه عن المناصب السياسية وإغراءاتها

اللافت في مسيرة هذه الشخصية الفذّة ترفّعه عن المناصب السياسية وإغراءاتها، فقد كان الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في الستينيات يستمع إلى الإذاعة الوطنية لما لفتت انتباهه مداخلة فكرية سأل عن صاحبها، فأعلموه بأنه الجامعي الشاب هشام جعيط، فسألهم عن قرابته بالشيخ عبد العزيز جعيط، الذي كان أحد المناصرين لبورقيبة في إصدار مجلة الأحوال الشخصية (منعت تعدّد الزوجات)، فتبين أنه ابن أخيه، فدعاه إلى قصر قرطاج، وبعد نقاش عميق معه في الفكر والتاريخ، عرض عليه منصبا وزاريا، لكن الباحث الشاب اعتذر مفضلا أن يكون باحثا مفكرا في التاريخ الإسلامي، لا مسؤولا سياسيا.

هكذا عاش هشام جعيط ومات، مفكّرا حرا ومؤرخا ناقدا وفيلسوفا بارزا، لم يرتهن لتيار فكري ولا لحزب سياسي، ناحتا مسيرةً متفرّدة جعلت منه أبرز أعلام تونس، فكرا وبحثا وفلسفة، وشغلت أعماله كل الدارسين والمثقفين في العالم. وها هو اليوم يترجّل في وداع مؤلم، وما زال صوته يقرع أذنيّ ويشكل وجداني، ووجدان مريديه وقارئيه من خلال آثاره التي لا تموت.