في وداع الوحش المقدّس

في وداع الوحش المقدّس

13 سبتمبر 2021
الصورة

ماكرون يلقي كلمة في حفل تكريم الممثل الراحل بولموندو في فندق في باريس (9/9/2021/Getty)

+ الخط -

طقوس جنائزية مهيبة، مثيرة للزهو، ظلت، بحسب القوانين الفرنسية، محصورة بالقادة العسكريين، ومدنيين كان لديهم ماضٍ مقاوم، أو حائزين رتبةً عالية في جوقة الشرف. غير أن الممثل الراحل، جان بول بلموندو، كسر ذلك التقليد الصارم بوفاته قبل أيام، فشهد العالم منبهراً مراسيم جنازته الرسمية التي بُثّت على الهواء مباشرة. حظي بلموندو بهذا الشرف اعترافاً من الدولة بالدور الإنساني الجمالي الإبداعي الذي أدّاه طوال حياته المهنية التي توقفت سنة 2001 إثر إصابته بجلطةٍ دماغيةٍ، عطّلت قدرات النطق لديه، ما أوقفه كلياً عن العمل. إلا أن الوحش المقدّس، أيقونة السينما الفرنسية، ظل محبوب الفرنسيين. وعلى الرغم من محاذير كورونا وتعليمات التباعد الاجتماعي، جرت المراسم العسكرية في ساحة الشرف بمجمع ليزانفاليد، بحضور أعداد غفيرة من الفرنسيين، في مقدّمتهم أشهر فناني فرنسا ومثقفيها، إضافة إلى رئيس الجمهورية وزوجته، وقد وصف الممثل الراحل بالكنز الوطني.
ودّعت فرنسا جان بلموندو بالموسيقى الكلاسيكية والتصفيق الحاد من محبّيه الكثر الذين وقفوا تقديراً وإجلالاً لسيرة حياته الحافلة بالعطاء والإنجاز والمجد والشهرة. وعلى سبيل الاستثناء، وبسبب شعبيته الواسعة، سمحت السلطات الرسمية، بموافقة العائلة، بفتح أبواب المجمع، حيث النعش المسجّى، ساعة ونصف ساعة، بعد انتهاء المراسم أمام من يرغب من الفرنسيين في وداع ممثلهم الوسيم المحبوب الذي حاز جوائز عالمية عديدة مهمة، ويعدّ، بالإضافة إلى آلان ديلون، زميله وصديق عمره، من صنّاع السينما الفرنسية الذين نجحوا في تقديمها إلى العالم، فكرّسوا أنفسهم نجوماً كباراً، ينافسون نجوم هوليوود الأكثر شهرة.
وفي مشهد بالغ التأثير، ظهر ديلون، مستنداً إلى عصاه، مشاركاً في جنازة رفيقه، قائلاً: "نحن في السن ذاته. لن يمرّ كثير من الوقت، قبل أن ألحق به. نحن رفيقان، لا يمكنك التحدّث عن أحدنا من دون الآخر. كان بلموندو أقل وسامة من آلان ديلون، معشوق نساء الأرض آنذاك، غير أنه تمتع بتلك الكاريزما الساحرة والموهبة الفذّة والحضور الطاغي، وتنوع نشاطه بين المسرح والسينما. أدّى أدوار البطولة في حوالى 80 فيلماً، كثير منها مهمة، مثل "المحترف" و"ملائكة الخطيئة" و"المهمش" و"الدماغ" والطبول البعيدة"، وغيرها من أفلام كثيرة عُدّت علامات فارقة في تاريخ السينما الفرنسية والعالمية.
لتنشئة بلموندو في بيت فني الأثر الكبير في تكوينه المعرفي والثقافي والفني، إذ كانت والدته تشكيلية، ووالده نحاتاً، وكذا دراسته في المعهد الوطني للفنون الدرامية في باريس. وقد صرف النظر، في وقت مبكّر، عن ميوله الرياضية واحترافه الملاكمة في مرحلة الشباب. واستفاد من خبراته الرياضية في أفلام الحركة التي قدّمها. وكان يصرّ على أداء المشاهد الخطرة، من دون الاستعانة بدوبلير. لم تكن حياة بلموندو سهلة، تخللتها صعاب وتحدّيات. وعاش مأساة رحيل ابنته احتراقاً. ولم تخلُ حياته المثيرة من زيجات متكرّرة وعلاقات عاطفية كثيرة مع نجمات سينمائيات شهيرات. ظل، على الرغم من النجاح الكبير، محتفظاً بالبساطة والتواضع والعمق. ويشهد نجوم كثر أنه قدّم لهم يد المساعدة، وأخذ بأيديهم في بداياتهم الفنية، ما يؤشّر على طيبة قلبه، وثقته الشديدة بنفسه، وحبّه الآخرين، محتفلاً بمنجزهم. من هنا، استحق بلموندو قطف ثمار تعب سنين، في التكريم الكبير من الجوائز الكبرى والأوسمة الرفيعة، ومحبة الجمهور في حياته في مناسبات عديدة.
تعكس كل تلك المظاهر بشكل جليّ حضارة وثقافة عريقة تقدّر المعرفة والفن والجمال، وتضعها في مقدمة أولوياتها. تعب جان بول بلموندو كثيراً، قبل أن يرحل عن عالمنا، مخلّفاً إرثاً فنياً عظيماً، لا بد للأجيال الشابّة من الوقوف عليه، كي يدركوا فداحة أن يلفظ الجمال أنفاسه الأخيرة.