في واقعة توقيف الروائي أيمن العتوم

15 يناير 2026
+ الخط -

في أثناء عودة الروائي والشاعر الأردني أيمن العتوم (من أكثر الكتّاب العرب مبيعاً وغزارةَ إنتاج) من مدينة إربد إلى بيته في عمّان، استوقفته دورية للشرطة ليلاً، وأوقفته، رغم أنه كان بصحبة زوجته ووالدته. وثمّة من ذكر أنه كان عائداً من حضوره حفل زفاف أحد أقاربه، وليس من جبهة جنوب لبنان. وسرعان ما أفرجت الجهات المعنية عنه بعد ساعات قليلة، ما يعني أن الأمر مجرّد توقيف إجرائي مؤقّت وليس اعتقالاً، وربما كان استجواباً بالإمكان ترتيبه من دون توقيف سيارة العتوم والقبض عليه أمام أفراد عائلته في وقت متأخّر من الليل، خصوصاً أن السلطات الأردنية توفرت تاريخياً على نمط من التسامح ومراعاة الأوضاع الإنسانية في حالات اعتقال أكثر تعقيداً. ولا يُعرف لماذا بدأ هذا النمط المحمود من السلوك الأمني يترنّح، ويُنتهك بهذه الطريقة التي تثير الاستهجان، وتسيء إلى صورة النظام والبلاد معاً.

لماذا أوقف العتوم أصلاً ما دام سُيفرج عنه بعد ساعات؟ لا أحد يعرف، وإن من المرجّح أن توقيفه المؤقّت على صلة بقانون الجرائم الإلكترونية، أي بسبب تدوينة للروائي في مواقع التواصل الاجتماعي. لكن الجهات الأمنية المعنية لم تتحدّث عن السبب، وربما لا يكون هذا من اختصاصها أصلاً، وكذلك العتوم نفسه، الذي لا نبالغ إذا قلنا إنه "استثمر" ساعات توقيفه القصيرة لترويج "مظلوميّته" وصموده (!) بتعابير تتّسم بالمبالغة؛ فهو يشكر "الأحبّة الكرام" من نواب ونقابيين ومثقّفين وقفوا معه، ويبشّرهم أنه خرج من السجن "أبيّاً" كما دخله، ويتمنّى على الله (وهو ربّ الجميع بالمناسبة) أن يعينه على أن يؤدّي "حقّ الله" فيما أكرمه به من "أمانة الكلمة".

هل ثمة مبالغة؟ نعم، قاطعة، خصوصاً أن العتوم، الذي يتوافر على ثقافة واسعة في التراث والشعر العربيَّين، أورد في تدوينته تلك في "فيسبوك" أبياتاً للشاعر العبّاسي علي بن الجهم تبدأ بـ"قالت: حُبست فقلت ليس بضائرٍ/ حبسي وأيُّ مُهنَّدٍ لا يُغمدُ". والحال هذه، هو (العتوم) سيف مُهنَّد، ذو مهمة رسالية تتعلّق بأمانة الكلمة التي أكرمه الله بها، رغم أن توقيفه (والتوقيف ليس حبساً ولا سجناً) لم يستغرق سوى ساعات.

ليس ما سبق هجاءً للعتوم، بل توصيفٌ فحسب لواقعةٍ ما كان ينبغي أن تحدث أصلاً، بل كان ينبغي أن يُحاسَب من قام بها، أو على الأقلّ إعادة النظر جذرياً في إجراءات التوقيف على هذا النحو. وفي مثل هذه الحالات وما يشبهها، نظراً إلى ما تنطوي عليه من إساءة إلى الإجراءات التنفيذية والقانونية في قضايا قانون الجرائم الإلكترونية، الذي آن الأوان لإعادة النظر فيه أيضاً. إضافة إلى أن إجراءات كهذه منحتِ العتوم ما كان يسعى إليه ربما، من تأكيد مظلومية مُدّعاة وبطولة مُتوهَّمة ومُضخَّمة، في شأن كان بالإمكان التعامل معه عبر الهاتف ومن دون هذا الضجيج كلّه.

وكان نجل العتوم قد أُوقف نحو يوم وبعض اليوم أيضاً قبل نهاية العام الماضي، في قضية توزيع منشورات ضمن ما سمّاها العتوم نفسه "حملة توعوية موجّهة للمسلمين لبيان الحكم في الاحتفال بما يُسمّى الكريسماس". ورغم أن ما قام به نجل العتوم قد يرقى إلى تهديد السلم الأهلي (المسيحيون نحو 5%؜ من عدد السكّان)، إلا ما قد يشفع له صغر سنه، وهو ما لا ينطبق على العتوم الأب عندما عرض قضية نجله في تدوينة أثارت غضباً واسعاً في البلاد، إذ برّر ما لا يُبرّر قانونياً، بل استقوى على الدولة بالعشيرة، وهو أمرٌ مستهجن ممَّن يُفترض أنه شاعر وروائي وأكاديمي. وربما كان توقيفه المؤقّت على خلفية تدوينته تلك.

وفي الحالتين (توقيفه وتوقيف نجله)، يبدو أن أسلوب التوقيف (كان بالإمكان قصر التعامل في حالة نجله على الأقسام المعنية في جامعته) منح العتوم وقوداً إضافياً لتسويق نفسه ومظلوميّته، لا باعتباره كاتباً ومبدعاً بل "مناضلاً"، وأساء، في الوقت نفسه، إلى سلطات إنفاذ القانون، وأعادنا إلى ستينيّات القرن الماضي، حين كان الكاتب، حتى لو كان متواضعَ الموهبة، مبدعاً برتبة مناضل، لكن بمسحة إسلامية هذه المرّة.

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.