في هندسة الاستدراج

19 ديسمبر 2025

(عمران يونس)

+ الخط -

توَّجت أكسفورد "طُعم الغضب" كلمة للعام 2025، وهو تقليد سنوي، تختار فيه الدار كلمة تعبّر عن المشاعر أو العلاقات أو السلوك الأكثر انتشاراً في السنة. مع العلم أنّها اختارت السنة الماضية تعبير "تعفُّن الدماغ". هي إذاً لعبة القلب والعقل التي تفوز في روليت الكلمات، في كل زمان ومكان، وبأسماء جديدة.

تُفسّر دار نشر أكسفورد هذا الاختيار بارتفاع نسب اللجوء إلى اللعب على تفاعل الناس مع المحتوى السلبي والعنيف، في وسائل التواصل والتلاعب بهم، فالبشر مع محبّتهم الترفيه يتفاعلون أكثر مع المصائب والعنف الممارس ضد أشخاص أو فئات أو حيوانات. لذا يخترع المؤثّرون لأنفسهم مصائب أو يستغلّون ما لا يُستغَل. كوفاة قريب يستعملها المؤثّرون لجلب الجمهور في أكثر اللحظات الإنسانية خصوصية، وهي حالات المرض والموت.

في مواقع الأخبار التي أوردت الخبر عربياً، قُدمت الكلمة من غير تشكيل، فصار من الممكن أن تُقرأ "طَعم الغضب"، وتمتّصها العين بسرعة، ويتقبل القلب جِدّتها على قِدمها وأُلفتها، ففي المحتوى العام أو السياسي ما من كلمة تصف شعور الناس أمام صور الإبادة أكثر من طَعم الغضب. في لحظة فقدت كل الكلمات فيها معناها، أمام بشاعة الإجرام الصّهيوني تجاه غزّة. بعض الناس لا تخطر في أذهانهم سوى اللعنات، لكن "طَعم الغضب" بديل قوي لوصف الشعور. رغم أن "طَعم الدم" يخطر أيضاً على ألسنتنا، لكنّها عبارة قديمة قدم الدم في يديْ الإنسان.

لماذا نحن مهووسون باختراع أسماء جديدة لمشاعر قديمة؟ ربما لأنها حيلة نفسية، تنقل المرئيّ الذي نشعر أنه ليس مفهوماً أو مرئياً بما يكفي، خاصة في أجواء أو سياقات مختلفة. وهذه العمليّة حسب ميشيل فوكو في كتابه الأجمل "الكلمات والأشياء"، "تسمح بالانتقال خِلسة من المكان الذي نتكلّم منه إلى المكان الذي نرى فيه، بإغلاق الواحد على الآخر بسهولة كما لو كانا متناسبين"، بحيث نرتاح لأننا نجحنا في نقل المعنى بالكلمات. وأهمية تسمية الأشياء لا تأتي "لأن الكلمة تقع إزاء المرئي في عجز تجهد عبثاً لتجاوزه، بل لأنه لا يمكن أن يختزل أحدهما الآخر"، ورغم هذا يقول فوكو، "أنّ ما نراه لا يسكن أبداً ما نقول، وعبثاً عملنا على أن نجعل الآخرين يرون بالصور والاستعارات والمقارنات، ما نقوله الآن". ما العمل يا فوكو؟ نُسمّي أو لا نسمّي؟

وكان بإمكان أكسفورد أن تكتفي بكلماتٍ موجودة سلفاً مثل "الاستفزاز"، فهي تؤدّي الغرض لوصف الابتزاز العاطفي الذي تُمارسه وسائل التواصل علينا. "التلاعب" كلمة أخرى تصف عملية استجلاب التعاطف أو إثارة الاستياء. لكن ما نفعُ الكلمات أن تتوسع وتمنحنا أدوات جديدة لوصف "المخازي" التي نراها كل يوم؟ وإذا لم نرغب في إطلاق التسميات على الأشياء، ففوكو يقترح "علينا أن نمحوها، وربما عبر اللغة الرمادية المُوَسْوسة والتكرارية دوماً، لأنّها فضفاضة جداً، يُضيء المعنى شيئاً فشيئاً".

بعد مصطلح "طُعم الغضب" ((Rage Bait) جاء في الترتيب أعلى الكلمات تعبيراً مصطلحا: "زِراعة الهالة" و"الاختراق البيولوجي". وإذا كان المصطلح الفائز بالصدارة يُعبر عن السلبية، فالثاني والثالث عن محاولة مقاومة السلبية، وعلى نفس المستوى: وسائل التواصل. فـ Aura (farming) هي محاولة خلق كاريزما في زمن الصورة العامة، بخلق انطباع لدى الآخرين بأن المَعني أو المعنية ذوو هيبة وشخصيات غامضة ومثيرة للاهتمام. أما الثانية (Biohack) فتصف المحاولات الجاهدة لمقاومة الشيخوخة والمرض وكسر دائرة الجينات الضعيفة والسلوك المدمر، بتحسين الأداء البدني والعقلي مما يروّجه خبراء التغذية ومدربي "الحياة".

وتختار دار نشر جامعة أكسفورد كلمة العام من خلال تحليل الكلمات الجديدة والناشئة، إضافة إلى رصد التحوّلات في استخدام اللغة، لتحديد المفردات ذات الدلالة الثقافية البارزة. وجلّ الكلمات التي تختارها أخيراً تستجيب لأشكال التفاعل على "السوشيال ميديا". والحقيقة أن وسائل التواصل أكبر طُعم في تاريخ البشرية، ما فعلته بحياة الناس لا يمكن وصفه. ووصفُ كلمةٍ سنوياً لتسهيل عملية التفاعل، مع هذا الكم الهائل من السلوك المضخوخ عبر هذه الوسائل تجاه كائن واحد هو الإنسان، بالكاد يكفي، بل نحتاج صيدلية كاملة من الكلمات.

عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
رئيسة قسم الثقافة في "العربي الجديد"، صحافية وشاعرة مغربية.
عائشة بلحاج